الدكتور الدخيل ودعم الشركات
هناك إجماع على الحاجة إلى متانة وديناميكية القطاع الخاص آنياً بغرض التحضير لنقلة نوعية لما بعد النفط، وهذا يختلف جذرياً عن القفز إلى القول إن على الحكومة تقديم دعم مالي للشركات السعودية بسبب تعثرها على أثر الأزمة المالية العالمية. الأكثر فداحة تلك المقارنة المبسطة بين شركات مثل الألمانية وخاصة الصغيرة والمتوسطة التي تشكل عصب الاقتصاد الألماني وتوظف أكثر من 60 في المائة من الأيدي العاملة, ومقارنة ذلك بشركات سعودية البعض منها ليس فيها مواطن غير الملاك والمراسل، ثم إن هذه الشركات الغربية هي التي تدفع الضرائب للحكومة, فالحكومة هناك ''تستثمر'' بينما ما يدعو له الدكتور الدخيل هو عملياً استنزاف الحق العام لدعم من تهور وراهن على استثمار في أصول بعيدة عن مجال عمله.
الحالة الاقتصادية السعودية تقوم على عدة قواعد, منها أن المملكة تأخذ بسياسة اقتصاد السوق لذلك لا يمكن أن نتخيل هذه السياسة دون الحد الأدنى من المنافسة، فلا يمكن أن نكون رأسماليين حينما تشرق الشمس ونكون اشتراكيين حينما تغرب الشمس. تتضح هذه القاعدة إذا عرفنا أن كثيرا من الشركات السعودية إما قائمة على وكالة حصرية دون قيمة مضافة كبيرة للمجتمع وإما معتمدة على مصروفات الحكومة مباشرة. اتضح أن اقتصاد المملكة ''الحقيقي'' لم يتأثر كثيراً بينما الجانب المالي تأثر أكثر نظراً لارتباطه بالعالم الخارجي (خاصة في الأصول الخاصة عالمياً وداخلياً). القاعدة الأخرى أن مصروفات الحكومة وهي العامل الحاسم في حركة اقتصاد المملكة لم تتأثر كثيراً ولذلك فإن غالبية التأثيرات تأتي من إدارة تلك الشركات وعدم قدرة البعض منها على التكيف وإعطاء إدارة المخاطر حقها.
الواضح أن نموذج الشركات العائلية أصبح تحت ضغوط عالية قد تكون الأزمة المالية ساعدت في الكشف عن عيوب في حوكمتها، وهذه ليس للحكومة دور مباشر فيها على الأقل في المدى القصير. القاعدة الثالثة أن المراقب الفني للاقتصاد السعودي يعرف أن القيمة المضافة (تترجم نقدياً بسرعة دوران النقد في الاقتصاد) منخفضة ولذلك فإن أي دعم لرجال الأعمال هو دعم لمن لا يضيف قيمة تُذكر.
هذا هو الإطار العام، ولكن من الإنصاف القول إن هناك شركات سعودية تضيف قيمة وتحاول جاهدة في عدة قطاعات, واستطاع البعض منها نقل التقنية والمنافسة عالمياً وتقديم خدمات حتى في خارج المملكة. البعض من هذه عائلية، والبعض الآخر أصبح جزئياً مطروحاً للعامة.
ما يحتاج إليه الاقتصاد السعودي هو تحويل أموال الدولة إلى بناء البنية التحتية مادياً ونظامياً، ومزيد من المنافسة وتقليل دعم الحكومة لتوفير المال لاستخدامات أمثل أهمها استراتيجياً تسهيل التحول إلى اقتصاد ما بعد النفط. لا أعرف لماذا يرغب الدكتور الدخيل في دعم الشركات على حساب الاقتصاد، ولعله خلط بين الاثنين، فالجميع يعرف أن الشركات السعودية ذات الإدارة الكفؤة تحقق أرباحاً وفي نمو. فهل المراد دعم الضعيف ليستمر ضعيفاً ومتهوراً؟