"سابك" وأسعار الحديد ونظرية حسب المعقول
لم يكد يمضي أسبوع واحد على تصريح وكيل وزارة التجارة حول تنظيم سوق الحديد حتى رفعت ''سابك'' الأسعار. لنبدأ من تصريح وكيل الوزارة الذي أكد فيه أن الوزارة أبلغت مصانع الحديد بإعادة فتح تصدير حديد التسليح ومنتجاته إلى الخارج - لاحظ كلمة فتح - ولكن (ولكن هذه تغني عن ألف قرار تنظيمي) (1) أن تكون الأولوية في الإنتاج للأسواق المحلية. (2) أن تحتفظ المصانع بمخزون استراتيجي بواقع 10 في المائة. (3) وأن تكون الأسعار في الأسواق المحلية في حدود المعقول. ثلاثة شروط مهمة وإذا أحببت قل جدا لكن الحقيقة أنني لم أفهم منها شيئا. هل سيفتح التصدير ثم تتم مراجعته وفقا لهذه الشروط أم أنه يجب على الشركات استيفاء هذه الشروط ومن ثم يفتح التصدير؟
فتصريح وكيل الوزارة أن الأولوية للسوق المحلية يعني - بحسب تصريحه - وفرة في السوق المحلية. وهذا كما أفهمه يعني أن على شركات الحديد الانتظار حتى تتوافر وفرة في السوق المحلية ومن ثم سيفتح التصدير للزائد عن الحاجة فهل هذا هو محتوى التصريح؟ إذا كان كذلك فإن لي هنا تساؤلات. أولا: ما المؤشرات التي ستعتمد عليها الوزارة لقياس الوفرة؟ ثانيا: هل ستكون هذه المؤشرات متاحة للرأي العام؟ هل سيتم فتح السوق لكل الشركات إذا ما حصلت وفرة في السوق حتى الشركات التي لم تلتزم بالضوابط الأخرى؟ وإذا ما حصلت وفتحت السوق لبعض الشركات فكيف ستقيس الوزارة الوفرة وما المصدر الحقيقي لها؟ هل هي الشركات التي منعت أم الشركات التي صدرت؟
الشرط الثاني أن تحتفظ المصانع بمخزون استراتيجي بواقع 10 في المائة. والهدف من هذا الشرط – وفقا لتصريح الوكيل مرة أخرى - أن يسهم هذا المخزون في علاج حالات الشح في السوق المحلية سواء كان ذلك نتيجة أسباب داخلية أم خارجية. والسؤال الصعب عندي في هذا هو 10 في المائة من ماذا؟ من احتياج السوق ككل بمعنى أن على كل مصنع أن يحتفظ بمخزون يساوى 10 في المائة من احتياج السوق فإذا كان لدينا عشرة مصانع فإن لدينا مخزون يساوي احتياج 100 في المائة؟ إذا كان هذا صحيحا فكيف تم قياس هذا الاحتياج؟ يوميا أم شهريا أم نصف سنوي أم سنويا؟ ثم مرة أخرى ما المؤشرات على احتياج السوق؟ وكيف يتم الإعلان عن ذلك للرأي العام؟ أما إذا كان المقصود 10 في المائة من سعة مخازن المصنع فإن هذا سيختلف من شركة إلى أخرى، ثم هل تستطع 10 في المائة من سعة مخازن المصانع أن تفي باحتياجات السوق المحلية؟ أما إذا كان المقصود 10 في المائة من إنتاج المصنع فإن الأسئلة تبقى صحيحة وتحتاج إلى إجابات حاسمة. بقاء الموضوع بهذا الغموض لن يحل مشكلة هذه السوق ولن يكون هناك تنظيم حقيقي لها.
الشرط الثالث أن تكون الأسعار في الأسواق المحلية في حدود المعقول. الحقيقية أنني لا أعرف ما حدود المعقول التي سيتم بها تسعير الحديد. ليعذرني القارئ الكريم وليعذرني سعادة الوكيل فلم يمر على في مناهج الاقتصاد التي درستها نظرية التسعير حسب المعقول ومعرفتي تقصر عن هذا. هل المقصود ترك التسعير للعرض والطلب وأن تكون السوق حرة في هذا؟ هل المقصود سعر محدد كما حددته الوزارة مع شركات الأسمنت وبذلك تكون سوقا موجهة؟ هل هي حالة جديدة بين هذا وذاك لأسوق موجهة وأم هي حرة؟ من هو مصدر المعقولية؟ هل هي شركات الحديد أم الوزارة أم حماية المستهلك أم المستهلك نفسه؟ نريد شرحا واضحا لآلية التسعير وفقا للمعقول في سوق الحديد.
وإذا كنت قد واجهت مشكلة في فهم تصريح وزارة التجارة نحو تنظيم سوق الحديد ولكني – وكما هي عادتي – أواجه صعوبات جمة في فهم تصريحات شركة سابك. فعبد أسبوع واحد على تصريح وكيل الوزارة الذي ناقشته أعلاه يأتي تصريح ''سابك'' برفع الأسعار والشاهد الأهم في التصريح أن ''سابك'' ''شددت'' على ضرورة الالتزام بهذه الأسعار التي تشهد ''ثباتا'' منذ عدة أشهر. أرجو ممن فهم التصريح من القراء الأعزاء موافاتي بذلك. كأن ''سابك'' غاضبة من ثبات الأسعار منذ عدة أشهر لهذا قررت رفعها. ثم تريد الالتزام بالأسعار الجديدة لأنها – كما يبدو – تأثرت بتصريح الوزارة وهي صاحبة قرار الأسعار وفقا للمعقول وليست السوق وليست الوزارة لذلك تريد معقولا جديدا لها. هل هذا تطبيق سريع لنظرية حسب المعقول لذلك ''شددت'' على ذلك؟
تقول ''سابك'' أيضا إن ذلك يأتي بعد ثبات الأسعار عدة أشهر، ويبدو الاستياء في التصريح من هذا الثبات، حيث إن ''سابك'' تريد تحويل سعر الحديد إلى البورصة مثل أسعار النفط فاستقرار لعدة أشهر شيء غير مبشر بالنسبة لها ولذلك ورغبة منها في تحريك السوق الراكدة فقد قامت برفع الأسعار. هل هذا تنظيم جديد للسوق؟ يجب ألا تستقر الأسعار عدة أشهر.
من الملاحظ وفقا لتصريح ''سابك'' وتصريح وزارة التجارة أن السوق المحلية لم تستقر بعد. فشرط الوزارة أن تضمن الشركات استقرار السوق المحلية لم يتحقق. فخلافا لتصريح ''سابك'' فإن السوق لم تهدأ أكثر من شهرين بل هناك تغيرات مستمرة في الأسعار وهناك مشكلات كبيرة تواجه بائعي التجزئة والمستهلكين، فالثبات الذي تحدثت عنه ''سابك'' ثبات نسبي لا يعتد به. كما أن رفع الأسعار والتشديد على الأسعار الجديدة مؤشر على أن ''سابك'' تخشى ردة فعل السوق وهذا مؤشر آخر على عدم استقرار السوق بعد، فحاصل الأمر كما يبدو لي أن على وزارة التجارة التأني في فتح التصدير وإعادة دارسة السوق بشكل أكثر تفصيلا وخلق مؤشرات حقيقية وتطوير آليات التسعير في السوق وعدم ترك المجال للشركات الكبيرة بهذه الطريقة المحزنة جدا للمستهلك وللتنمية.