التعتيم على الأسعار
يجري الحديث برومانسية ومثالية عن المنافسة التامة أو الكاملة، وتصور كأجمل وأرقى الأوضاع الاقتصادية للأسواق. وتوفر المنافسة الكاملة عدالة في توزيع الموارد وتحديد الأجور والأسعار ما يرفع من مستويات المعيشة ويسهم في سيادة السلام الاجتماعي في الدول التي تقترب من تطبيقها، حيث يصعب تطبيق المنافسة الكاملة في سوق سلعة معينة ناهيك عن كل أسواق السلع والخدمات. وترجع هذه الصعوبة إلى استحالة تطبيق فرضياتها على أرض الواقع. وتشمل فرضيات المنافسة الكاملة وجود عدد كبير جداً أو لا متناه من المنتجين والمستهلكين الذي لا يتمتع أحدهم بقدرة على التأثير في الأسعار. ومن أهم فرضيات تحققها أيضاً توافر المعلومات المتعلقة بالسلع والخدمات والأسعار والمواصفات والأسواق بصورة كاملة. ولا يخفى على أحد استحالة توافر معلومات كاملة عن السلع والخدمات المباعة، ولهذا تسن دول العالم الأنظمة والتشريعات التي تشترط على المنتجين إظهار أهم خصائص تلك السلع (الخدمات). ويشترط أن تكون هذه المعلومات صحيحة وشفافة وواضحة ومبسطة لتمكين جميع المستهلكين أو على الأقل أغلبيتهم الساحقة من الاطلاع عليها وفهمها. وتهدف أنظمة نشر المعلومات المتعلقة بالسلع (الخدمات أيضاً) إلى توفير معلومات كافية لدى المشترين، وكذلك البائعين الآخرين وسيادة مستوى مرض من اليقين عن مواصفات السلع المتعلقة مثلاً بالحجم أو الوزن، ومدة الصلاحية، والمواد المكونة لها، وأسلوب وأماكن تصنيعها، وشروط تخزينها، ومدى تأثيرها في صحة البشر وسلامة البيئة. وإضافة إلى ذلك يشترط على البائعين أو الموزعين وضع الأسعار على السلع، حيث تكون واضحة وجلية للمشترين، حيث يعتبر السعر أهم معلومة ينبغي توافرها عن السلعة.
ويمكِن إخفاء الأسعار أو التعتيم عليها المنتجين أو الموزعين أو البائعين من التمييز بين المستهلكين، والذين تظهر بينهم اختلافات كبيرة في مهارات الشراء ومعرفة الفروقات بين المنتجات السلعية أو الخدمية وأصنافها. كما توجد تباينات كبيرة في أساليب وغايات البائعين والمنتجين فيسود الجشع عند عدد كبير منهم. وما لم تقم المؤسسات الرسمية بفرض أنظمة تضمن وضع الأسعار بشكل واضح على السلع فإن نسبة كبيرة من المستهلكين تضطر إلى دفع مبالغ أكثر مما ينبغي مقابل السلع والخدمات، وبذلك يتعرضون لخسائر كبيرة مما يقلل من فوائض ومنافع المستهلكين من السلع والخدمات. وعادة ما تعاني الفئات السكانية الأقل تعليماً والأقل دخلاً لابتزاز ضعاف النفوس مما يفاقم من آثار التعتيم على الأسعار ويسيء إلى وضع محدودي الدخل أو الفقراء مما يفاقم من معضلات الفقر. ولهذا فمن الضروري قيام الجهات الرسمية المسؤولة بإلزام كل أماكن ومنافذ بيع السلع والخدمات بوضع الأسعار على السلع بشكل واضح وشفاف وميسر، كما ينبغي توفير معلومات مقروءة ومطبوعة مسبقاً عن أسعار الخدمات في منافذ بيعها.
ويوفر وضع الأسعار على السلع وأماكن الخدمات عناء البحث عن الأسعار الحقيقية الذي يتكبده المستهلكون سواءً بسؤال البائعين أو التجول ما بين الأسواق لمعرفة الأسعار الحقيقية الفعلية والتي تباع عندها السلع والخدمات. ويوفر وضع الأسعار للبائعين الوقت ويمكن البائعين الآخرين من معرفة الأسعار السائدة في السوق بشكل سريع ما يشجع على المنافسة ويدفع المشترين تجاه البائعين الأقل سعراً (لنفس الصنف والسلعة) وبذلك يتم تعظيم منافع التنافس على خفض الأسعار.
وتعاني أسواقنا بدرجة كبيرة من تعتيم المعلومات المتعمد وخصوصاً المتعلقة بالأسعار الفعلية التي تباع عندها السلع والخدمات، مما يدفع بالمستهلكين إلى إضاعة الكثير من الوقت والجهد للتعرف على الأسعار الحقيقية. ويرفض معظم البائعين بشكل متعمد وضع أسعار على المنتجات المباعة وذلك لاستغلال جهل البعض ويحققون بذلك أرباحا فاحشة. والغريب لجوء حتى الأسواق الكبيرة أو الهايبر ماركات لممارسات إخفاء الأسعار، حيث يقتصر على وضع السعر على شكل رمز رقمي أو ما يسمى البار الكود والذي يستحيل على المستهلكين معرفة السعر من خلاله. وقد يتعرض المستهلكون لتدليس الأسعار في هذه الأماكن بعدة أساليب وحيل متنوعة ومتعددة. فقد يوضع سعر قديم على الرفوف المتواجدة بها السلع أو توضع السلعة أو صنف معين من السلع على رف صنف أو سلعة أخرى مما يقود إلى الاعتقاد الخاطئ بسعر منخفض للسلعة ويفاجئ المستهلك عند دفع الحساب بسعر مختلف عن السعر الموجود أسفل الرف الموجودة عليه السلعة، أو قد ينسى أو لا ينتبه المشتري للسعر الحقيقي الذي دفعه في خضم دفعه للفاتورة. وفي تصوري توجد محاولات جادة من بعض الأسواق لتمرير أسعار أعلى على المستهلكين، مما يعتبر غشاً وتدليساً واضحاً من قبل هذه الأسواق. وهذه الممارسات ليست مقصورة على سوق معين وإنما تنتشر بشكل واسع بين الأسواق الوطنية والأجنبية.
ومن الغريب أيضاً أن مسوقي السلع المعمرة كالأجهزة الكهربائية والسيارات وكذلك مسوقو العقارات كالمنازل وقطع الأراضي لا يضعون أسعارا على سلعهم بل يتعمدون بشكل كبير التعتيم على السعر ويعتبرون إخفاء الأسعار الفعلية مهارة كبيرة يتفنون في إتقانها. ففي منافذ بيع السلع المعمرة ينتظر المستهلك رأفة البائعين للإجابة عن استفسارته عن الأسعار. والمصيبة أن بعض البائعين في هذه المنافذ ربما لا يعرف السعر الدقيق الذي يضعه المسؤول عن المنفذ, ولهذا يعطي المشتري، كما يقال سعراً من رأسه مستغلاً جهل الكثير من المستهلكين للأسعار الفعلية للسلع المعمرة لجني أرباح طائلة.
ومن المستغرب أيضاً ألا توضع أسعار السيارات المعروضة للبيع عليها مما يكلف المستهلكين مبالغ طائلة، حيث يتعمد وكلاء السيارات الجديدة وملاك معارضها التعتيم على أسعارها لكي يتم على ما يقال استحلاب المستهلكين لآخر قطرة. فمتى تقوم الجهات المسؤولة بمحاسبة وكالات ومعارض السيارات على أساليب الغش والخداع وخصوصاً في مجال إخفاء الأِسعار. أما مسوقو العقار فهم أشد البشر إخفاءً للأسعار، فحتى مع الإلحاح الطويل والسؤال عن الأسعار لا يصرحون بالسعر الفعلي المطلوب ولا ينشرون الأسعار بشكل واضح في محاولة لرفع الأسعار إلى أعلى مستوى ممكن. وأعتقد أن التعتيم على الأسعار في العقار لعب دوراً في تفاقم أزمة السكن، حيث إنه يسهم في رفع أسعار العقار ويعطل من تبادل العقارات. ويتعمد أحياناً مسوقو العقار إخفاء الأسعار بل أحياناً لا يعرفون هم أنفسهم السعر المطلوب بسبب اعتقاد ملاك ومحتكري العقار أن إخفاء السعر المطلوب يعظم أرباحهم. وحتى عند البحث عن مساكن للإيجار لا يصرح الكثير من العقاريين بمستويات الإيجارات الحقيقية المطلوبة مما يعرض البسطاء لظلم وإجحاف كبيرين. وقد يدفع المستأجرون إيجارات مختلفة لنفس الوحدات السكنية وذلك نتيجةً لإخفاء المعلومات المتعلقة بالأسعار.
من جهةٍ أخرى، تظهر الأغلبية الساحقة من إعلانات بيع العقارات أو السيارات أو الأجهزة المعمرة والسلع في وسائل الإعلام المختلفة ويتم إغفال أي ذكر للأسعار. فمتى يتم إلزام الباعة بجميع أصنافهم والمعلنين ووسائل الإعلام بضرورة تبني سياسة إيضاح الأسعار. ولماذا لا يتم منع أي إعلان أو ترويج لسلعة أو خدمة لا توضح فيه الأسعار؟. إن توافر معلومات مرضية وبصورة منتظمة عن الأسعار مطلب أساسي للأسواق ولجميع المستهلكين والمنتجين والمسوقين ويوفر عليهم الجهد والوقت والمال. وسيرفع وضع الأسعار على السلع وفي منافذ الخدمات من مستويات المنافسة ويسرع من تبادل السلع والخدمات مخفضاً من تكاليفها ومن أسعارها على المستهلكين.