رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الاستثمار في قطاع الطاقة خلال فترات الانكماش الاقتصادي (الجزء الثاني)

في الجزء الأول تم التعرف بصورة عامة على التحديات التي يجابها قطاع الطاقة خلال فترات الانكماش الاقتصادي, كذلك تم تحديد العوامل التي تؤثر في استراتيجيات الاستثمار في قطاع الطاقة خلال فترات الانكماش الاقتصادي، التي تم تلخيصها في المحاور الرئيسة التالية:
1 ـ تداعيات التدهور الاقتصادي العالمي على قطاع الطاقة.
2 ـ تزايد تأثير الحكومات في الأسواق بصورة عامة وأسواق الطاقة بصورة خاصة وتداعيات ذلك على الاستثمار في قطاع الطاقة، خصوصا في الدول ذات الاقتصاد الحر.
3 ـ خيارات الاستثمار خلال دورة الازدهار والكساد الاقتصادية Boom Bust Cycle. في هذا الجزء سيتم استعراض المحور الأول.

إن قيمة الناتج المحلي الإجمالي العالمي GDP بالدولار الأمريكي، قد تضاعف تقريبا بين عام 2002 والربع الثاني من 2008، من نحو 30 تريليون دولار أمريكي إلى أكثر من 60 تريليون دولار أمريكي, ثم انخفضت قيمتها إلى نحو 55 تريليون دولار أمريكي في الربع الأول من العام الحالي، وهو مستوى لم يشهده منذ الربع الثالث من عام 2007. كما أن مستوى التبادل التجاري الدولي (التجارة العالمية) هو الآخر قد تراجع في الوقت نفسه. حيث إن في الفترة من 2002 إلى الربع الثاني من عام 2008 زادت قيمة التبادل التجاري أكثر من مرتين ونصف، من ستة تريليونات دولار أمريكي إلى أكثر من 16 تريليون دولار أمريكي، قبل أن تتراجع إلى أقل من 12 تريليون دولار أمريكي في بداية هذا العام (1).
نتائج هذا التداعي في الاقتصاد العالمي على قطاع الطاقة كان كبيرا جدا، حيث انخفض الطلب على النفط والغاز والطاقة الكهربائية، كذلك تأثرت القدرة على تمويل مشاريع البنية التحتية للطاقة الجديدة، لتلبية الطلب المتوقع على الطاقة عند انتعاش الاقتصاد العالمي من جديد. كما أن عدم اليقين حول مسار انتعاش الاقتصاد العالمي (2) وأنواع ومواصفات الوقود المطلوب هو الآخر يضيف تحديا جديدا وتعقيدا لعملية اتخاذ القرار.

الطلب على النفط والغاز والطاقة الكهربائية انخفض إلى مستويات لم يشهدها العالم منذ عدة سنوات, حيث إن جميع المناطق تضررت بدرجة أو بأخرى.
أهم التغيرات في الطلب على الطاقة الكهربائية حدثت في أمريكا الشمالية والصين، فالطلب على الكهرباء في أمريكا الشمالية يحتاج على الأقل إلى أربع إلى خمس سنوات ليعود إلى المستويات التي كان عليها في عام 2007 (3)، أي أكثر من سنتين من نمو الطلب على الكهرباء قد فقدت. كما أن الطلب على الطاقة في الصين قد تضرر أيضا بشدة. ففي الربع الأخير من العام الماضي، ولأول مرة منذ ست سنوات نمو الطلب على الطاقة الكهربائية انخفض. حيث إن أكثر من 70 في المائة من الطلب على الطاقة الأولية في الصين من قطاع الصناعة، الذي تضرر بشدة نتيجة انخفاض الصادرات. أوروبا تأثرت أيضا بشدة نتيجة الركود الاقتصادي، وانخفض الطلب على الطاقة الكهربائية فيها أيضا.
الطلب العالمي على النفط، حسب معظم الدراسات المتخصصة في هذا المجال، من المتوقع أن ينخفض انخفاضا حادا عام 2009 ما بين 1.5 إلى 2.5 مليون برميل يوميا عن العام السابق أو بحدود 2.0 مليون برميل يوميا في المعدل، في جميع مناطق العالم تقريبا بدون استثناء (4). هذا الانخفاض أعاد الطلب على النفط إلى مستويات لم يشهدها العالم منذ عام 2004. تراجع الطلب على النفط في أمريكا الشمالية سيمثل نحو 0.7 مليون برميل في اليوم من هذا الانخفاض. أما في اليابان فإن الصادرات تضررت بشدة، ما أدى إلى انخفاض في الإنتاج الصناعي، ونتيجة لذلك الطلب على النفط في منظمة التعاون والتنمية في آسيا سينخفض بنحو 0.8 مليون برميل في اليوم هذا العام. كما أن الطلب على النفط في الصين تباطأ أيضا، ما حدا بالشركات الصينية إلى تخفيض خططها لإنتاج النفط المحلي وللمرة الأولى منذ أكثر من قرن. حتى في أمريكا اللاتينية، حيث إن كثيرا من المنتجات النفطية في الأسواق المحلية مدعومة، الطلب على النفط فيها من المتوقع أن ينخفض هذا العام بنحو 0.2 مليون برميل في اليوم. أما في منطقة الشرق الأوسط، فيتوقع أن يكون النمو في الطلب على النفط أقل من نصف نمو معدل نمو السنوات الخمس الماضية.
السوق العالمية الناشئة للغاز الطبيعي هو الآخر يواجه تهديدا جديدا نتيجة انخفاض الطلب (5). حيث إن كلا من الغاز الطبيعي المجهز بواسطة خطوط الأنابيب والغاز الطبيعي المسال يعاني الانكماش السريع في الصادرات وانخفاض الطلب الصناعي على الغاز. إن أسواق الغاز تأثرت في جميع مناطق العالم تقريبا دون استثناء، لكن بدرجات متفاوتة. فمستوردو الغاز الطبيعي المسال في آسيا، خصوصا في اليابان وكوريا الجنوبية، تعاقدوا على كميات تفوق الحاجة لعام 2009 و2010 . أما في أوروبا الكميات التي تم الاتفاق عليها ضمن العقود طويلة الأجل، من المتوقع أن تتجاوز الطلب الفعلي على الغاز للفترة بين 2009 و2011. إن الفائض الكبير في العرض سيقلل من قدرة أوروبا على استيعاب شحنات جديدة من الغاز الطبيعي المسال، وهذا سيترك السوق الوحيدة المحتملة أمريكا الشمالية (6). لكن الطلب على الغاز الطبيعي في أمريكا الشمالية انخفض هو الآخر، مع انخفاض الطلب على الغاز من قبل القطاع الصناعي. خلال الربع الأول من عام 2009، الطلب على الغاز في القطاع الصناعي في أمريكا الشمالية كان 10 في المائة أقل عما كان عليه في الربع الأول من العام الماضي. إن الانخفاض الذي حدث في الطلب على الغاز تزامن مع ارتفاع إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية (7). وفي أوروبا الطلب على الغاز الطبيعي من المتوقع أن ينخفض في القطاع الصناعي أيضا، من 153 مليار متر مكعب عام 2008 إلى نحو 135 مليار متر مكعب هذا العام. الجدير بالذكر هنا، ليس من المتوقع أن يعود الطلب على الغاز إلى مستويات عام 2008 قبل منتصف العقد المقبل.
إن السرعة التي تراجع فيها الطلب على الطاقة أدى إلى حدوث طفرة كبيرة وغير متوقعة في الطاقات الإنتاجية الفائضة للنفط والغاز الطبيعي والطاقة الكهربائية. في المقال المقبل سيتم استكمال هذا المحور.
(1) إحصائيات صندوق النقد الدولي IMF.
(2) الاستثمار في قطاع الطاقة خلال فترات الانكماش الاقتصادي ـ الجزء الأول 17 حزيران (يونيو) 2009.
(3) إحصائيات وزارة الطاقة الأمريكية US DOE.
(4) الأزمة الاقتصادية العالمية ومستقبل الطلب العالمي على النفط، "الاقتصادية" 8 نيسان (أبريل) 2009.
(5) زيادة في معروض الغاز الطبيعي في ظل أزمة اقتصادية وانهيار في الطلب العالمي، "الاقتصادية" 27 أيار (مايو) 2009.
(6) واقع صناعة الغاز في ظل انهيار الطلب العالمي عليه وزيادة الإمدادات، "الاقتصادية" 20 أيار (مايو) 2009.
(7) إمدادات الغاز من المصادر غير التقليدية وأثرها في مستقبل صناعة الغاز الطبيعي المسال، "الاقتصادية" 6 أيار (مايو) 2009.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي