رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


يا إلهي.. إنهم 1.02 مليار جائع!

"كل مسدس يصنع. كل سفينة حربية تبنى. كل صاروخ يطلق.. إنها بمثابة سرقة جائع"
الرئيس الأمريكي الأسبق ديتوايت أيزنهاور

أخطأ الاقتصاديون "الملهمون" - للمرة الألف ربما – في قراءاتهم تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية – التي لم يتنبأوا بها - حين أرادوا إبراز الجوانب "الإيجابية" للأزمة، آملين أن تقلل من عواصف الحقد والغضب الموجهة إليهم. فقد تحول هؤلاء، إلى مقتنصين لأي مبادرة إيجابية، من بحر السلبيات الكارثية، التي تسببوا في وجودها أصلا. ماذا يقولون؟ إن الأزمة لم تنل من أسعار المواد الغذائية، بل على العكس، خفضت هذه الأسعار، وجعلت المنتجات والحاجيات في متناول الجميع. هذا صحيح، لكن الأصح أن الأسعار المنخفضة صبت في مصلحة من يملك المال، أو بعضا منه، بينما لا قيمة لها عند من لا يملك شيئا، حتى لو بيعت المنتجات بأقل من أسعار التكلفة. إذن.. هي قراءة أخرى من قراءاتهم الوهمية، التي جلبت للعالم أكبر وأعنف أزمة اقتصادية في التاريخ، بأعلى التكاليف, المالية بعض منها، أما التكاليف الاجتماعية والإنسانية والأخلاقية.. وحتى القومية، فهي أساسها. عندما تنخفض الأسعار- لا سيما أسعار الضروريات - تعطي متنفسا لصاحب الدخل المحدود، ولكن.. ماذا تمنح لصاحب الدخل المفقود؟! فإن وجدت السلعة التي تبلغ قيمتها سنتا أمريكيا واحدا (الدولار الأمريكي 100 سنت)، ستكون سلعة فاخرة، عند من لا يملك هذا السنت، حتى لو كانت عبارة عن رغيف خبز، أو حبة دواء لتسكين الأوجاع!.
ولكي أصحح قراءات "الملهمين" الاقتصاديين، أقول لهم: إن الأزمة الاقتصادية – التي تعرفونها أو لا تعرفونها – ستضم 100 مليون إنسان، إلى "جيوش" الجائعين حول العالم مع نهاية العام الجاري، وسترفع "عديد" هذه الجيوش إلى 1,02 مليار "جندي" غير مجهول، بل معروف على الأقل بالرقم. وبحساب بسيط جدا فإن 6.792.467.727 إنسانا - هم مجموع سكان العالم "الشبعانين" والجائعين- ناقص 5.772.467.727 إنسانا "شبعانا"، يساوي 1.020.000.000 جائع!!. وبحساب آخر، فإن الحاصل يساوي سدس سكان الكرة الأرضية!. مع التأكيد على أن أحدا من "الملهمين" ليسوا من عداد الجياع.. يا إلهي.
هذه الأرقام التي أقدمها لـ "الملهمين"، هي حصيلة دراسات وبحوث لمنظمة (الفاو). وإذا كان هؤلاء لا يعرفونها، فهي "منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة". المائة مليون من الجائعين الجدد، هم ببساطة أولئك الذين فقدوا وظائفهم من جراء الأزمة الاقتصادية نفسها، لا من الكساد العظيم الذي ضرب العالم عام 1929، ولا من الأزمة الاقتصادية الآسيوية في تسعينيات القرن الماضي، ولا من أزمة الـ "دوت كم" التي اندلعت في بدايات القرن الحالي. أيضا هذه "معلومات" إلى الاقتصاديين " الملهمين"، الذي يحبون السباحة في "بحار من الطحينة". فالأزمة الراهنة – التي يدعي البعض أنها في الطريق إلى الزوال، ولا أعرف كيف؟!- ضربت ما يعرف بـ " أهداف الألفية" التي وضعتها الأمم المتحدة في عام 2000 من أجل خفض عدد الجياع في العالم – لا سيما أولئك الذين يعيشون على دولار واحد في اليوم – إلى النصف بحلول عام 2015. تماما.. كما ضربت أهداف الألفية نفسها في خفض مستوى الأمية عالميا بحلول العام المذكور، من خلال "التعليم للجميع". فلا التعليم سيصبح للجميع، ولا اللقمة ستصل إلى أفواه الكل.
في العام الماضي، قدم المدير العام لوكالة الطاقة الذرية الدولية محمد البرادعي، أبلغ تعليق على حالة الجوع والفقر في العالم، عندما قال: "إن الجوع والفقر هما أقوى أسلحة الدمار الشامل". مرة أخرى لم يصل هذا التوصيف إلى "الملهمين". وإن كان قد وصل، فعلى الأغلب لم يفهموا ما يحمله من رسائل خطيرة. فقد كانوا غارقين في مسألتين. الأولى: الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من مؤسساتهم، والأخرى: الاحتفاظ بأطول مدة ممكنة بمناصبهم. كانوا ينظرون إلى تداعيات الكارثة، من زوايا المؤسسات، لا من ساحات المجتمع المحلي والدولي، الذي إذا ما كان مريضا، سينقل العدوى إلى مؤسساتهم. كانوا غير مهتمين بالآثار الاجتماعية – المعيشية للأزمة الاقتصادية، لأنهم انشغلوا باحتواء الانعكاسات السلبية لسياساتهم المضللة على هذه المؤسسات. كانوا – وبعضهم لا يزال – يعتقدون أن المؤسسة أهم من المجتمع، وأن قيم هذا الأخير لا وزن لها، أمام معايير السوق.
إن القضية، لا تنحصر فقط في أعداد العاطلين عن العمل، المنضمين إلى صفوف الجياع. بل تشمل أيضا – وبصورة مخيفة – انخفاض مستوى الاستثمار الأجنبي في الدول النامية، بنسبة الثلث، فضلا عن تراجع حجم تحويلات العاملين في الخارج، ما بين 8 إلى 10 في المائة، بعد انتعاش دام سنوات. إلى جانب – طبعا - تقهقر مساعدات البلدان المانحة للدول النامية، إلى أكثر من 25 في المائة. والواقع أن هذه المساعدات تراجعت حتى قبل اندلاع الأزمة. فطبقا لآخر الإحصائيات الصادرة عن قسم المعلومات في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه"، فقد تراجعت الولايات المتحدة في عام 2008 إلى المركز الرابع في قائمة الدول المانحة، حيث بلغ حجم مساعداتها 6.9 مليار دولار أمريكي، في حين قدمت عام 2003 قرابة الـ 12.9 مليار دولار. وتشير الأرقام المشينة، إلى أن منظمة الأغذية والزراعة الدولية ( الفاو)، لم تتسلم سوى 10 في المائة من 22 مليار دولار تعهدت الدول الغنية بتقديمها إلى الدول الفقيرة في حزيران (يونيو) الماضي.
كيف لا؟ وهذه الدول تضخ آلاف المليارات من الدولارات في أنظمتها المالية، وفي المؤسسات لدعمها، أو على الأقل لحمايتها من الانهيار، بينما سينكمش الاقتصاد العالمي – حسب توقعات البنك الدولي- مع نهاية العام الجاري بواقع 3 في المائة!. وإذا كانت المؤسسات والبنوك في الدول الكبرى تحتاج إلى تحفيز أو حماية، فإن اقتصادات الدول الفقيرة تحتاج إلى إنقاذ. فلا يزال التحفيز بعيدا عنها. القضية أيضا لا تتوقف عند هذا الحد. فمع انخفاض المعونات والمساعدات للدول الفقيرة المليئة بالجائعين، هناك تراجع حجم القروض لهذه الدول. فلا معونة كافية، ولا قرضا متوافرا. والمصيبة تكمن في أنه حتى لو شهد العالم بداية للنمو في العام المقبل – وهذا قابل للشك - فإن الدول النامية ستظل تعاني آثار الأزمة الاقتصادية لسنوات طويلة، وسيزداد بالضرورة "عديد" الجياع فيها.
قبل الأزمة الاقتصادية.. كان العالم يشهد موت خمسة ملايين طفل سنويا، ليس فقرا، بل جوعا!. وبعد "أزمة الملهمين"، ازداد هذا العدد ليصل إلى الضعف، حسب منظمة ( الفاو). ولم تعط المنظمة عددا محددا أو مقربا للراشدين الذين يموتون جوعا، ربما لأن هذا النوع من الموت، بات أسرع من أن يحصى، وأبلغ من أن يوصف. إنها مسألة ضمير. ويجب على أصحاب القرار، وما تبقى من " الملهمين" الاقتصاديين، أن يعرفوا أن جائعا في الناحية الأخرى من العالم، ليس سوى قنبلة موقوتة، أعتى من قنابل التدمير الشامل، إذا ما انفجرت، ستأخذ معها كل شيء. ستأخذ معها ما تبقى من إنسانية هذا العالم، إن كان هناك شيء منها!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي