"فاني مني" سعودية

في إطار الرغبة في تأسيس سوق تمويل سكانية في المملكة ذكر وزير المالية أن هناك تفكيرا حول تأسيس "فاني مني" سعودية. النظام المالي المتكامل في الدول ذات الاقتصادات الناضجة والصاعدة يتكون من القطاع المصرفي والتأمين والتمويل العقاري. القطاع المصرفي في حالة من النضج والاستقرار، والتأمين في حالة بحث عن أرض صلبة للنمو؛ بينما يعاني قطاع التمويل العقاري فقرا واضحا. لذلك أتى الحديث عن "فاني مني" سعودية كأحد مفاتيح هذا الحل. تقوم "فاني مني" الأمريكية وما يشبهها في العالم بدور شراء القروض من المؤسسات الإقراضية وتمويل نفسها من خلال إصدار سندات بضمان حكومي. العيب الهيكلي المزمن في التركيبة المالية في المملكة أن ودائع المصارف في غالبيتها العظمى قصيرة الأجل بينما تمويل الإسكان في طابعه طويل الأجل، ولذلك هناك حاجة ماسة إلى وسيط مالي.
يقوم سوق التمويل العقاري على قدمين. الأولى، هي وجود النظام المالي المتكامل الذي يربط بين طبيعة الودائع قصيرة الأجل وطبيعة القروض طويلة الأجل، ويأتي ذلك من خلال تأسيس مؤسسة "فاني مني" السعودية كي تكمل الدائرة المالية. القدم الثانية هي إقرار نظام الرهن العقاري، فدونه لن يتمكن الممول من حماية أمواله. دون قدمين سليمتين سيبقى سوق التمويل السكاني في المملكة أعرج.
سبق لي أن شاركت في هذا الموضوع المهم من خلال عضوية فريق عمل تحت مظلة اللجنة العقارية في غرفة الرياض لدراسة تأسيس شركة تمويل عقارية قبل نمو هاتين القدمين. وكان صعبا جداً أن تتخيل سوق تمويل صحيا ونشطا وقادرا على المساهمة في حل الإشكالية السكانية في المملكة دونهما. تبينت في تلك الفترة إشكالية مهمة ذات علاقة: هي عدم قدرة ما لا يقل عن نصف العائلات المبتدئة والمتوسطة الدخل على خدمة القرض المقترح. من خلال حسبة مصرفية بسيطة يتضح أن على المقترض تسديد نحو أربعة آلاف ريال شهريا لتمويل وحدة سكنية صغيرة ولمدة 20 سنة، وهذا مبلغ يصعب على الكثير في ظل دخول متواضعة.
من تجربة الصندوق العقاري وفي ظل هذه الحالة يتضح أن أي مشروع تمويلي لسد الفجوة السكانية لن يرى النور دون دعم حكومي مباشر (إيجاد صيغة لدمج الصندوق العقاري وفرض زكاة أو رسم على الأراضي). المطلوب هو إيجاد التوازن الصحي بين حيوية السوق التمويلي وربحية من يشتري سندات "فاني مني" السعودية وملاءة المقترض وتقليل تكلفة الحكومة. التحدي أن نجد معادلة مالية ونظامية تجمع بين هذه العناصر لتلبية حاجة الناس إلى سكن ملائم بصيغة تمويلية معقولة.
الموضوع شائك ومركب وفي نظري يتطلب تغييراً في هيكلية الصندوق العقاري حيث إنه يصعب في المدى المنظور إيجاد تدفق نقدي يضمن استمرارية التسنيد دون قاعدة قروض كبيرة.
نجاح "فاني مني" السعودية يتطلب اكتمال تلك العناصر. دون اكتمال النظام المالي والنظامي قد تصل إلى تنظيم مكلف ولو حل بعض الإشكاليات في المدى القصير، فالمخاطر كما أثبتت الأزمة المالية ليست بعيدة عن نظام غير مستدام.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي