ليسوا مجرد فزاعات

ليسوا مجرد فزاعات

تم عقد واختتام القمة الافتتاحية لدول البريك - البرازيل وروسيا والهند والصين - الأسبوع الماضي في Yekaterinburg بخطابات وكلام بدلا من جوهر ومضمون. وعلى الرغم من أن الرئيس الروسي، ديميتري ميدفيديف، وصفه بأنه "مركز السياسة العالمية"، إلا أن هذا الرباعي المتباين فشل بصورة ملحوظة في منافسة مجموعة الثمانية التي تضم الدول الصناعية بوصفه منتدى للمناقشات الاقتصادية.
ولكن لا ينبغي أن يكون ذلك مستغربا: لمعرفة مدى تباينهم، ضع في اعتبارك أن روسيا والبرازيل من الدول المصدرة الكبيرة للسلع، في حين أن الصين من الدول المستوردة الكبيرة للسلع؛ وتؤيد الصين جولة الدوحة التجارية، أما الهند فتشكك فيها؛ وتتنافس الهند والصين لاكتساب النفوذ في المحيط الهندي، في حين تتنافس روسيا والصين في آسيا الوسطى.
وبدلا من ذلك، فإن الأمر المذهل حقا هو أنه تم تجميع الدول الأربع أولا كمجموعة من قبل أبرز الاقتصاديين في Goldman Sachs والتي قررت التجمع معا بهذه الطريقة البارزة. وحين التقت تلك الدول، ناقشت مواضيع مثل إصلاح صندوق النقد الدولي، ومطالبتهم بنفوذ أكبر في صنع السياسة العالمية، وفي حالة الصين، البرازيل، وروسيا، وضع خطة لتحويل بعض احتياطياتهم بالعملات الأجنبية من الدولار إلى سندات صندوق النقد الدولي.
ويعكس كل هذا ثقة متنامية بالنفس. فأكبر الأسواق الناشئة بدأت في الانتعاش السريع, وبالتفكير أن الركود قد يكون علامة أخرى على التحول العالمي للقوة الاقتصادية بعيدا عن الغرب. وكانت تقديرات دخولها القومية في الربع الأول أفضل من المتوقع. وخلال العام حتى نهاية آذار (مارس)، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تقارب 6 في المائة في الصين والهند. وكانت الدولتان تسهمان بما لا يقل عن نصف الزيادة العالمية في الاشتراكات في التكنولوجيا اللاسلكية في تلك الفترة. وانخفض الناتج المحلي الإجمالي في البرازيل انخفاضا طفيفا في الربع الأول، ولكنه ينمو الآن بشكل أسرع من المتوسط في أمريكا اللاتينية، ويعتقد معظم الاقتصاديين أن النمو سيعود إلى مستوياته قبل الأزمة في العام المقبل. وفي المقابل، لا يزال الناتج في معظم الاقتصادات الصناعية الكبرى في انخفاض. والاستثناء من بين دول البريك هي روسيا، التي تراجعت جراء انخفاض أسعار النفط العام الماضي، وبالتالي تقلص اقتصادها بنسبة 9.5 في المائة في الربع الأول، وهو أسوأ أداء في مجموعة العشرين بعد اليابان.
ويمثل الأداء في الدول الأخرى انتعاشا حادا منذ مطلع العام. وبعد ذلك، كان يبدو أن أكبر الأسواق الناشئة تواجه خطر التدهور شأنها شأن غيرها. فقد كانت الصادرات الصينية في كانون الأول (ديسمبر) أقل بنسبة 18 في المائة عما كانت عليه قبل عام. وانخفض النمو الصناعي بنسبة الثلثين في تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر). وعاد نحو 20 مليون عامل مهاجر إلى قراهم، بعد أن فقدوا وظائفهم بسبب توقف ازدهار البناء والصادرات في المدن الساحلية. وتعرضت فكرة "الفصل" - أي أن الأسواق الناشئة لم تعد مجرد أقمار تدور حول كوكب الغرب - إلى نكسة حادة.
كيف يمكن تفسير هذا التحول؟ هل هناك صحة لمفهوم الفصل على الرغم من كل شيء؟ ولماذا تنتعش دول البريك؟ وما الآثار المترتبة لذلك على بقية العالم؟
لا يعني الفصل فقط أن تنمو الأسواق الناشئة بسرعة أكبر من الأسواق الصناعية الغنية، على الرغم أنه لا شك بصحة ذلك؛ بل يعني أيضا أن المجموعتين ترقصان على أنغام مختلفة إلى حد ما، حيث تنمو الأسواق الناشئة أو تتقلص بصورة مستقلة، وليس فقط بتأثير من الأسواق الغنية. وقد أيدت هذه الفكرة دراسة تم إجراؤها العام الماضي من قبل Ayhan Kose من صندوق النقد الدولي، وChristopher Otrok من جامعة فيرجينيا، وEswar Prasad من جامعة كورنيل.
ولعل المرء يتوقع قدرا أقل من الفصل نتيجة للعولمة. فمن المفترض أن تصبح دورات الإنتاج والاستهلاك والاستثمار أكثر اتساقا في الدول المشاركة في التجارة العالمية. ولكن حين درس المؤلفون هذه المؤشرات، وجدوا شيئا مختلفا. فقد أصبحت دورات الإنتاج والاستهلاك والاستثمار أكثر اتساقا بالفعل في الدول الغنية. وحدث الشيء نفسه في الأسواق الناشئة. ولكن حين قارن المؤلفون المجموعتين، وجدوا أنهما تتباعدان. وقد تقاربت دورات الأعمال في أمريكا وأوروبا، كما تقاربت دورات الأعمال في الهند والصين، إلا أن دورات الأعمال في الأسواق الغنية والناشئة انفصلت.
وحين تم نشر هذه الدراسة في منتصف عام 2008، كان يبدو أن الانهيار العالمي يجعلها قديمة, إلا أن الحجم الهائل للانهيار ربما غطى على اتجاهات أعمق بدأت الآن بتأكيد نفسها مع تراجع الصدمة الأولية. وفي عام 2000، كانت الدول النامية تشكل 37 في المائة من الناتج العالمي (بمعادل القوة الشرائية). وفي العام الماضي، ارتفعت حصتها إلى 45 في المائة. وقفزت حصة دول البريك من 16 في المائة إلى 22 في المائة، وهي زيادة حادة في مثل هذه الفترة الزمنية القصيرة. وحدث نحو 60 في المائة من الزيادة في الناتج العالمي بين الأعوام 2000 - 2008 في الدول النامية؛ وحدث نصفه في دول البريك وحدها.
وإذا تم استئناف هذا النمط من النمو، ستكون تلك أخبار جيدة، حيث سينتعش نحو نصف الاقتصاد العالمي. وهناك دليل أو اثنان على أن آثار فوائد النمو في دول البريك تنتشر إلى مناطق أبعد. وتشير الأدلة المتناقلة إلى أن التجارة والاستثمار "من الجنوب إلى الجنوب" من قبل الأسواق الناشئة في الأسواق الأكثر فقرا لا تزال في تزايد، على الرغم من انخفاض رأس المال العالمي والتدفقات التجارية. وأحد الأمثلة على ذلك هو "الحصول على الأراضي" حيث تشتري الصين ودول الخليج ملايين الفدادين من الأراضي الزراعية في إفريقيا وجنوب شرق آسيا. وتفوقت الصين على أمريكا لتصبح أكبر سوق تصديرية للبرازيل في آذار/مارس ونيسان (أبريل)؛ وهي الآن أيضا أكبر دولة مصدّرة إلى الهند. وتستخدم الهند احتياطياتها الأجنبية البالغة تريليوني دولار للاستثمار في أسواق ناشئة أخرى، مثل وضع عشرة مليارات دولار في شركة Petrobras، شركة النفط البرازيلية التي تديرها الدولة.
ولعل تعطش الصين للمواد الخام لتغذية النمو المتزايد يفسر الزيادة بنسبة 36 في المائة في أسعار المواد الصناعية الخام منذ بداية هذا العام، ما أفاد مصدّري سلع مثل النحاس - مع أنه من غير المعروف إلى متى سيدوم هذا. وإذا كان هذا يأتي نتيجة الازدهار في الإنفاق الصيني على الاستثمار، فقد يستمر هذا الازدهار، ولكن إذا كانت الصين تقوم بملء مخازنها مؤقتا بعد فترة من التصفية، فقد تنخفض الأسعار مرة أخرى.
إلا أن قوة الصين والهند والبرازيل لا تعوّض عن الحالة المريعة لبقية الاقتصاد العالمي. ففي الوقت الذي تنتعش فيه هذه الدول العملاقة الثلاث، لا تزال الدول النامية غارقة في الركود. ويبدو أن العمالقة لا ينفصلون فقط عن الغرب، بل أيضا عن عديد من أشقائهم من الدول الناشئة الصغيرة أيضا.
وتؤكد سلسلة من التقارير مدى سوء سير الأمور هناك. فقد خلصت مراجعة لعشر دول فقيرة أجراها معهد التنمية لما وراء البحار، وهو معهد فكري في لندن، إلى أنها تضررت بشدة أكبر مما كان يتوقع أي أحد، حيث انخفضت الحوالات المالية بشكل حاد كما أنها تعاني مشكلات في العمالة والإيرادات وميزان المدفوعات. وكما يشير مؤلف الدراسة، Dirk Willem te Velde، فإنه غالبا ما تكون الاختلافات مذهلة. ففي بعض الدول- إندونيسيا وكينيا وبنغلاديش- ظل الاستثمار الأجنبي المباشر جيدا إلى حد معقول، في حين تواجه دول أخرى- غانا ونيجيريا وزامبيا- انخفاضات حادة. وتضررت صادرات المنسوجات الكمبودية بصورة أقوى من الصادرات البنجلادشية. ولكن بسبب الانخفاض الحاد للطلب على المستوردات وتدفقات رأس المال والحاجة للعمال الأجانب بشكل حاد في الغرب، فإن جميع الدول النامية تعاني تقريبا.
وفي أحدث تقييم لها، تقول الأمم المتحدة إن 60 سوق ناشئة وفقيرة على الأقل ستعاني هذا العام انخفاضات في الدخل الفردي. وتوقعات الأمم المتحدة لأوروبا الشرقية وإفريقيا جنوب الصحراء قاتمة بصورة خاصة. وبالنسبة لأوروبا الشرقية وروسيا وجيرانها، تتوقع المنظمة انخفاض الناتج بنسبة 5 في المائة. ويقول Arvind Subramanian، الاقتصادي في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، وهو معهد فكري في واشنطن العاصمة، أن الركود في أوروبا الشرقية ينذر بالسوء بالنسبة لإحدى استراتيجيتي النمو الرئيسيتين للعشرين عاما الماضية - وهي تحرير حسابات رأس المال (النمو من خلال الصادرات هي الاستراتيجية الأخرى). وقد فتحت دول أوروبا الشرقية قطاعاتها المالية أمام العالم. وفي 11 دولة من دول المنطقة، تشكل البنوك الأجنبية أكثر من 60 في المائة من الأصول المصرفية. وأدى تدفق الاقتراض بالعملة الأجنبية إلى زعزعة استقرار اقتصاداتها وجعلها عرضة للخطر حين قللت البنوك الغربية إقراضها.
وتتوقع الأمم المتحدة أن ينخفض الناتج الآن في إفريقيا بنسبة 0.9 في المائة. وقد لا تبدو تلك النسبة سيئة جدا، ولكن قبل شهرين فقط، توقع صندوق النقد الدولي زيادة بنسبة 1.7 في المائة، وفي بداية العام توقعت الأمم المتحدة زيادة بنسبة 4.8 في المائة. ويقول بنك التنمية الإفريقي إنه للعودة إلى مستوى النمو قبل الأزمة، يجب على القارة اجتذاب 50 مليار دولار من الأموال الجديدة هذا العام. وإفريقيا بعيدة كل البعد عن تلك المستويات بسبب انخفاض تدفقات رأس المال العالمية. وحسب أحدث توقعات لمعهد التمويل الدولي، سينهار إجمالي صافي التدفقات من 890 مليار دولار عام 2007 إلى 141 مليار دولار فقط هذا العام.
ويخشى بنك التنمية الإفريقي من أن تكون "أزمة النمو" بدأت في التحول إلى "أزمة تنمية"، ما قد يؤدي إلى زيادات حادة في مستويات الفقر وسوء التغذية. وتقول الأمم المتحدة إنه بحلول نهاية عام 2009، سيقع ما بين 105 ملايين و143 مليون شخص إضافي في براثن الفقر, ما سيكون عليه الحال لو استمر النمو بمستوياته قبل الأزمة. والاستثناء الرئيسي هو في دول شرق آسيا الأصغر، حيث بدأ الناتج الصناعي في الانتعاش, حيث من المحتمل أن يتم استئناف نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني.
وبالتالي, فإن الانتعاش في دول البريك في الوقت الحالي يتزامن مع الركود في العالم النامي ككل. وإذا كان هذا لا يشير إلى أي تغيير في الأوضاع الاقتصادية العالمية، فماذا يعكس إذن؟
يعكس هذا جزئيا حقيقة أن دول البريك تعتمد بصورة أقل من العديد من الأسواق الناشئة على الصادرات. وفي البرازيل والهند، تقل نسبة الصادرات عن 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وتصدّر الصين أيضا كميات أقل مما يعتقد الكثيرون. وعلى الرغم من أن الصادرات كانت تمثل 34 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2008، إلا أنها كانت تشمل "الصادرات المعالجة"- السلع المستوردة إلى الصين، التي يتم معالجتها وتصديرها دون إضافة قيمة كبيرة. وبالتالي لم تتأثر هذه الدول الثلاث كثيرا بتباطؤ التجارة العالمية بقدر ما تأثرت معظم الدول.
وقد كانت دول البريك حذرة في تحرير أنظمتها المالية، لذا كانت أقل تأثرا من أوروبا الشرقية مثلا بالأزمة المالية في الغرب. وقد تعزز انتعاشها بسبب الحكومات التي خففت إلى درجة كبيرة سياستها النقدية وزاد إنفاقها الحكومي. إلا أن عديدا من الدول الأخرى مغلقة نسبيا أمام التجارة والتمويل. وكان لدى الدول الأصغر، مثل تشيلي وتايوان، حوافز مالية أكبر. ولكن ليس هناك الكثير من الدول التي كان أداؤها جيدا مثلها. وهناك حاجة إلى المزيد من المعلومات لتفسير انتعاش العمالقة. والتفسير المعقول هو الحجم.
والحجم مهم حين تنخفض التجارة العالمية لأن الاقتصادات الكبيرة لديها الملايين من المستهلكين المحليين التي يمكن لها اللجوء إليهم حين تفشل الأسواق الأجنبية. وأفضل مثال على ذلك هو الصين. وتحتاج الاقتصادات الصغيرة إلى التجارة للتخصص، ولكن ضغوط البيع في السوق المحلية الكبيرة تساعد الشركات في الاقتصادات الكبيرة على المحافظة على قدرتها التنافسية حتى دون وجود الكثير من المنافسة من المستوردات. وتميل الاقتصادات الكبيرة أيضا إلى التنوع. فالهند مثلا لا تصدّر فقط الملابس والإلكترونيات الرخيصة - الخصائص التي تميز عديدا من الدول ذات المستويات المماثلة من الدخل الفردي - ولكن أيضا السفن والبتروكيماويات والصلب وخدمات الأعمال. ولا يهم التنوع كثيرا حين تفشل جميع الأسواق في وقت واحد. ولكنه ميزة كبيرة حين يبدأ الانتعاش بما أنه من المرجح أن تبقى الشركة في مجال الأعمال حين يكون الطلب في ازدياد.
وقد يساعد الحجم والتنوع أيضا برامج الحوافز الاقتصادية للصين، الهند، والبرازيل. وبصفة عامة، فإن إحدى أكثر المشكلات شيوعا التي تواجه الحكومات عند مقاومة الانكماش هو تسرب المنافع خارج حدودها لأن البرنامج يمتص المستوردات. ولا تواجه الاقتصادات العملاقة هذه المشكلة بحدة كبيرة لأنه حتى حين يتم تحرير التجارة، تقل حصة المستوردات عادة من الناتج المحلي الإجمالي.
والتحدي الآخر هو ضمان أن تكون برامج الحوافز الحكومية واسعة النطاق. وقد يكون هذا أكثر صعوبة في الاقتصادات الصغيرة التي تتخصص في قطاعات أقل نسبيا. وقد تتمكن قلة من الشركات الكبيرة من استخدام نفوذها السياسي للحصول على منافع الإنفاق لنفسها. ومبدئيا، لدى الدول العملاقة مثل الهند أو الصين عدد أكبر من الشركات التي تتنافس للتأثير في الحكومة للحصول على حصة من الغنيمة. وهذا من قبيل التكهنات، إلا أن الحقيقة هي أن برامج الحوافز في الأسواق الناشئة الكبيرة كبيرة وفاعلة في الغالب.
وقد كانت رزمة الحوافز الصينية من أوائل وأبرز مثال على الصدمة المالية. ولكنها جزء فقط من القصة. فالحكومة تستخدم البنوك المملوكة للدولة لضخ القروض بأسعار مذهلة. ووفقا لـ Josh Felman، من دائرة البحوث الآسيوية في صندوق النقد الدولي، فقد أصدرت بنوك الدولة وغيرها 5.5 تريليون يوان (800 مليار دولار) من القروض الجديدة في الربع الأول - أكثر من مجموع القروض لعام 2008. وأدى هذا إلى فورة إنفاق كبيرة. وباستثناء السيارات رباعية الدفع، يتم بيع نفس العدد تقريبا من السيارات في الصين من العدد المباع في أمريكا. وفي عام 2006، كان الأمريكيون يشترون ضعف هذا العدد.
وتحذو البرازيل والهند حذوها، وإن بصورة أكثر تواضعا. فقد خفضت البرازيل متطلبات الاحتياطي ومنحت البنوك وصناديق تأمين الودائع حوافز لشراء حافظات القروض للبنوك الأصغر. وأدت هذه التدابير إلى ضخ 135 مليار ريال (69 مليار دولار) إلى أسواق الائتمان المحلية، وفقا لـ Otaviano Canuto من البنك الدولي. وارتفع الائتمان المحلي بصورة حادة بين أيلول (سبتمبر) 2008 وكانون الثاني (يناير) 2009 وبدأت تعود ثقة المستهلكين.
ويقول Subramanian إن مصدر قوة الهند هو "العولمة المعتدلة": أي أنها لا تعتمد بصورة كبيرة على رأس المال الأجنبي، مثل أوروبا الشرقية، ولا تعتمد كثيرا على الزبائن الأجانب، مثل بعض أجزاء شرق آسيا. وقد جف رأس المال الأجنبي خلال الأزمة، لذا اعتمدت الهند على المدخرات المحلية، التي بلغت 38 في المائة تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام حتى آذار (مارس) 2008. وهكذا لجأت الشركات إلى بنوك الدولة غير العصرية في الهند للحصول على القروض، والتي تحتفظ بنسبة 70 في المائة تقريبا من أصول البنوك، بدلا من الاقتراض من الخارج أو جمع المال في أسواق الأوراق المالية.
وقد تعزز نمو الهند أيضا بسبب الإنفاق الحكومي، مثل زيادات الأجور السخية لموظفي الدولة، وإلغاء ديون صغار المزارعين، وتوسيع مخطط قوة العمل الريفية. ولم يكن هذا الإنفاق متوقعا، حين تم الإعلان عنه قبل حدوث الأزمة. وقد تسبب في خسارة كبيرة في المالية العامة، على الرغم من أنه ساعد الحكومة على تحقيق نصر حاسم في الانتخابات. وحتى الآن، عزز هذا النصر السياسي الثقة بالهند أكثر مما أضعفها عجز الميزانية.

حالة انتصار

السؤال هو فيما إذا كان مثل هذا البذخ فعالا وكم يمكن أن يدوم. خذ مثلا استثمارات الصين. وفقا لـ Felman من صندوق النقد الدولي، جاءت مساهمة الاستثمار في النمو من المؤسسات غير المملوكة للدولة، خاصة تلك في القطاع الخاص؛ ومنذ كانون الأول (ديسمبر) 2008، جاء أكثر من نصف هذه المساهمة من المؤسسات المملوكة للدولة. ويحدث شيء مماثل في البرازيل. وما بين أيلول (سبتمبر) الماضي وكانون الثاني (يناير) الحالي ارتفع الائتمان من البنوك المملوكة أجنبيا والبنوك المحلية الخاصة بنسبة 3 في المائة؛ وارتفع الائتمان من البنوك العامة بنسبة 14 في المائة. ويبدو أن المستفيدين هم الشركات الكبيرة، التي تنمو فيها القروض بسرعة أكبر من الشركات الصغيرة بأربعة أضعاف.
ومن غير الواضح إلى أي حد ستتأثر دول البريك، على المدى الطويل، بالزيادة الكبيرة في حجم الشركات الحكومية والشركات الكبيرة المملوكة للدولة. ولكن لعل هذه الزيادة محتومة. فالصين، وإلى حد أقل، البرازيل والهند، استفادت جميعها بصورة كبيرة من رغبة أمريكا في المستوردات في الأعوام ما بين 2000 - 2008. وقد قلت رغبتها الآن ومن المرجح أن تظل منخفضة لسنوات عدة، حيث بدأ المستهلكون الأمريكيون بتغيير عادات الإنفاق والادخار. وقد يكون من الصعب أيضا عكس مسار الزيادة: تبين تجربة الغرب أن القطاع العام يتوسع بلا هوادة حتى يصل إلى ما بين 40 في المائة و50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ولكن إذا كانت دول البريك غير قادرة على التصدير للخروج من الركود، يصبح توسع الحكومة البديل الرئيسي للركود الذي تعانيه الدول المصدرة الكبيرة الأخرى لرأس المال. وهذا جزء من الثمن الذي تدفعه الصين وغيرها للخروج من الركود قبل غيرها.

الأكثر قراءة