لكمات عنيفة

لكمات عنيفة

تبدو الأيام التي كانت فيها شركتا الطيران التجاري العملاقتان المتنافستان، "بوينج" و"إيرباص"، تستخدمان العروض الجوية الكبيرة للتفاخر بطلبات الشراء الجديدة أياما بعيدة جدا. وقد كان العرض الأسبوع الماضي الذي يتم تنظيمه مرة كل عامين في باريس كئيبا، على الرغم من أن نزاع "بوينج" و"إيرباص" لا يزال الموضوع الرئيسي.
وكان هناك بعض الأمور القليلة التي تدعو للتفاؤل. فقد تمكنت "إيرباص" من التفاخر بطلب شراء عشر من طائراتها A350 ذات الجسم العريض من AirAsia X. ويتوقع John Leahy، مدير المبيعات فيها، أن تكون عمليات التسليم عام 2009 مماثلة لسجل العام الماضي البالغ 483. ومن المرجح أن تسلّم "بوينج"، التي تعرضت لضربة عام 2008 بسبب إضراب طويل المدة، عددا أكبر من الطائرات هذا العام من العدد الذي سلمته العام الماضي. وقد بنت كل من الشركتين تراكمات هائلة في السنوات المزدهرة: لدى كل منها طلبات شراء لنحو 3500 طائرة.
إلا أن الكثير من هذه التراكمات قد تتلاشى سريعا. وفي وقت سابق من هذا الشهر، حذّر Giovanni Bisignani، رئيس الاتحاد الدولي للنقل الجوي، المنظمة التجارية التي تتحدث باسم معظم شركات الطيران، أن أعضاءه قد يؤجلون ما يصل إلى 30 في المائة من شحنات الطائرات العام المقبل. وضاعف أيضا تقريبا توقعاته للخسائر المتراكمة للصناعة عام 2009، إلى تسعة مليارات دولار.
ويعتقد كل من Leahy وJim McNerney، الرئيس التنفيذي لشركة بوينج، أن Bisignani يبالغ في تقدير الوضع الكئيب. ولكنهما يعترفان أن الزبائن المحتملين قد يكتشفون أنه من الصعب تمويل عمليات الشراء. ومن الأمثلة البارزة على ذلك هو United Airlines الأمريكية، التي طلبت من "بوينج" و"إيرباص" تقديم عرض لطلب شراء 150 طائرة. ويقول Leahy إن مساعدة United على جمع القروض هو مفتاح الفوز بطلب الشراء. وهناك مسألة أخرى وهي تكلفة الوقود. ويعتقد McNerney أنه من المفترض أن تشجع الزيادة الأخيرة في سعر النفط شركات الطيران على استبدال الطائرات القديمة التي تستهلك الوقود بطائرات جديدة أكثر كفاءة. ولكن إذا "زاد السعر على 100 دولار" سيتم إلغاء جميع الرهانات.
وتتفق شركتا الطيران العملاقتان على شيء واحد: لن تحصل الصناعة على بديل لطائراتها للرحلات القصيرة، 737 وA320، لمدة تزيد عن العقد. ويعود ذلك جزئيا كما يقول McNerney إلى أن زيادة الكفاءة بنسبة 15 - 20 في المائة التي تقول شركات الطيران إنها تريدها في الجيل الجديد من الطائرات لن يحدث سريعا بسبب التحسينات المستمرة بنسبة 1 -2 في المائة سنويا التي يدخلها المصنعون على الطائرات الحالية.
علاوة على ذلك، تدخر كل من "بوينج" و"إيرباص" المال استعدادا لنزاع طويل ومرير للهيمنة على سوق طائرات الرحلات الطويلة التي تضم 350 مقعدا. وسيتم أخيرا هذا الشهر إطلاق طائرة شركة بوينج، 787 Dreamliner، التي تعرضت لمشكلات، وذلك بعد موعدها بعامين. ويقول McNerney إنها ستكون "لحظة نشوة"، خاصة بالنسبة للمهندسين الذين لم يأخذوا إجازة لمدة ثلاث سنوات. ويبدو أنه تم التغلب على مشكلات الإنتاج التي نشأت من الاستخدام الثوري للمركبات وسلسلة التزويد العالمية الممتدة. ولتسريع عمليات تسليم الشحنات لطائرة 787، التي تلقت "بوينج" أكثر من 860 طلبا لشرائها، يخطط McNerney إنشاء خط تجميع ثان.
لقد كانت حالات تأخير تسليم طائرة 787 هبة من الله بالنسبة لـ "إيرباص". فطائرتها المنافسة الأكبر قليلا، A350، ستطير في موعدها في مطلع عام 2012 بعد فترة تحسينات مؤلمة. وبما أن لديها نحو 500 طلب شراء، تزعم "إيرباص" أن طائرة A350 تباع بصورة أسرع من طائرة 787 في المرحلة نفسها من التطوير. إلا أن مصدر القلق الأكبر بالنسبة لـ "بوينج" لا يتمثل في أن تأخذ طائرة A350 المبيعات من طائرة 787، بل أن يكون البديل الأكبر لها، أي طائرة A350-1000، منافسا قويا لطائرتها الناجحة 777. ويقول McNerney إن باستطاعة "بوينج" الانتظار لرؤية مدى خطر طائرة A350 عليها: "لدينا الوقت للرد، ولمعرفة ما تستطيع فعله وما لا تستطيع فعله". ولكن وفقا للمديرين التنفيذيين لشركة إيرباص، ستواجه "بوينج" معضلة تحديث طائرة 777 أو اتخاذ الخطوة الأكبر والأكثر تكلفة بتصنيع بديل لها.
وطائرتا A350 و787 هما محور النزاع الطويل الحاد بين "بوينج" و"إيرباص" في منظمة التجارة العالمية بشأن إعانات الدولة للطائرات التجارية الكبيرة. وفي الأسبوع الماضي، أعلنت الحكومات الأوروبية أنها على استعداد للمساهمة بمبلغ 3.5 مليار يورو (4.9 مليار دولار) قابلة للاسترداد للمساعدة في إطلاق الطائرة من مبلغ تكلفة تطوير طائرة A350 البالغ 11 مليار يورو. وجعل هذا الإعلان المديرين التنفيذيين لـ "بوينج" يهرعون إلى أجهزة BlackBerry الخاصة بهم لإدانة ما يعتبرونه خطوة "استفزازية" بالنظر إلى أنه من المتوقع أن تصدر منظمة التجارة العالمية حكما في شكوى "بوينج" في غضون أسابيع (من المقرر أن يصدر حكم في الشكوى المضادة التي رفعتها "إيرباص" في وقت لاحق من العام).
وأنكر Louis Gallois، المدير التنفيذي للشركة الأوروبية لأنظمة الدفاع والأمن والفضاء، الشركة الأم لـ "إيرباص"، أن التوقيت غير مناسب، وقال: "لن نرد على التهم بالقول إننا مذنبون. ودعمنا أكثر شفافية بكثير من الدعم الذي تحصل عليه "بوينج". وقد قمنا بسداد هذا الدعم بالكامل مع الفائدة لطائرة A320 وA330 ونحن نسدد الآن الدعم لطائرة A380 (الطائرة العملاقة)". وأضاف Tom Enders، المدير التنفيذي لشركة إيرباص، أن المساعدات كانت تهدف فقط إلى "منح الجميع فرصا ومزايا متساوية"، وأن الاتحاد الأوروبي وصف طائرة 787 بأنها أكثر الطائرات التجارية المدعومة في التاريخ.
وهناك معركة مريرة أخرى بين الشركتين على وشك الاستئناف. ففي غضون الشهر أو الشهرين المقبلين، سيطلب سلاح الجو الأمريكي من "بوينج" و"إيرباص" (وشريكتها الأمريكية، Northrop Grumman) المناقصة من جديد على عقد بقيمة 35 مليار دولار لاستبدال أسطولها من الناقلات الجوية القديمة. وقد فازت "إيرباص" بالصفقة العام الماضي، ولكن تم إلغاء القرار بعد احتجاج "بوينج". وهي تخشى أن تكون الاحتمالات هذه المرة ضد طائرتها الأكثر تكلفة ولكن "الأفضل قيمة"، الناقلة القائمة على طائرة A330 لصالح ناقلة "بوينج" الأصغر، 767. ومن جهتها، تقول "بوينج" إنه إذا كان سلاح الجو يريد فعلا طائرة أكبر، فستقدم طائرة 777. ومن الممكن التوصل إلى تسوية بتوزيع الطلب بين الشركتين المتنافستين - وهي تسوية ستؤيدها الكثير من شركات الطيران في العالم، التي ستنتفع كثيرا من تأليب الشركتين إحداهما ضد الأخرى.

الأكثر قراءة