عقداء وجنرالات قلقون

عقداء وجنرالات قلقون

العادات القديمة لا تموت بسهولة. وليس هناك في تركيا مؤسسة ينطبق عليها هذا القول أكثر من مؤسسة الجيش الفضولية، التي تخوض نزاعا آخر مع حزب العدالة والتنمية الحاكم. ويتعلق أحدث سلوكياته الطائشة بخطة مزعومة تم وضعها في نيسان (أبريل) الماضي للإطاحة بحزب العدالة والتنمية وتجريم أكبر وأقوى أخوة إسلامية بقيادة الداعية المعتدل، فتح الله جولان.
وتم نشر نسخة من "خطة مكافحة الأصولية الإسلامية" في صحيفة Taraf اليومية الليبرالية، وذلك في الثاني عشر من حزيران (يونيو). وسرعان ما أثارت عاصفة سياسية جعلت الجيش يتخذ موقف الدفاع عن نفسه. وتدعو الخطة، التي وقعها Dursun Cicek، العقيد الذي يخدم في وحدة الحرب النفسية في الجيش، إلى "تعبئة العملاء" داخل حزب العدالة والتنمية لتشويه سمعة الحزب من خلال أفعالهم وأقوالهم. والأسوأ من ذلك هو أن الخطة تتحدث عن زرع الأسلحة في منازل أعضاء في حركة جولان، بغية إظهار أنهم "إرهابيون" يرتبطون بمتمردي حزب العمال الكردستاني الانفصاليين.
ويبدو أن الهدف الآخر للخطة هو استخدام وسائل الإعلام لحشد الدعم القومي ضد أرمينيا واليونان. ويريد واضعو الخطة أيضا تبرئة أسماء الضباط الذين تجري محاكمتهم بتهمة التآمر في الانقلابات السابقة ضد حزب العدالة والتنمية في إطار ما يسمى مؤامرة Ergenekon.
هذا النوع من الخداع والاحتيال ليس جديدا على تركيا. فقد استخدم الجيش، الذي استولى على السلطة ثلاث مرات بشكل مباشر، تكتيكات مماثلة للإطاحة بأول حكومة إسلامية عام 1997. وفي عام 2004، وضعت مجموعة من الجنرالات خططا مختلفة للإطاحة بحزب العدالة والتنمية على أساس أنه يسعى لإدخال الحكم الديني. إلا أن الحكومة تقاتل وترد الهجوم هذه المرة. فقد قدمت شكوى رسمية للنيابة العامة، تدعو فيها إلى إجراء تحقيق جنائي شامل في محاولة الانقلاب. وتم استدعاء العقيد Cicek، الذي دافع عن براءته، للشهادة أمام أعضاء النيابة العامة الذين يحققون في قضية Ergenekon. وبعد اجتماع مع Ilker Basbug، رئيس الأركان العامة، دام سبعين دقيقة، أعلن رئيس الوزراء، رجب طيب أردوغان: "إذا كانت هذه المزاعم صحيحة، فإن الأوضاع مخيفة".
وينكر الجنرال معرفته بالأمر، ولكنه وعد بمعاقبة أي من رجاله إذا تبين أنهم مذنبون. وقد فتحت هيئة الأركان العامة تحقيقها الخاص. إلا أن المدعين العامين للجيش سارعوا إلى إعلان أنه لا يوجد دليل على أنه تم وضع الخطة في مقر الجيش، ولكنهم لم يتمكنوا من دحض وجود الخطة. وقال Bekir Bozdag، أحد كبار المسؤولين في حزب العدالة والتنمية: "لقد عزز هذا التصريح الشكوك".
وإذا تم وضع المؤامرة حقا دون علم الجنرال Basbug، فستكون على الأرجح من عمل مجموعة من الضباط الخونة داخل الجيش. ويؤيد هذه النظرية جنرال تقاعد أخيرا، والذي أخبر Taraf أنه يعرف "خمسة أو ستة أشخاص" مصممين على الإطاحة بحزب العدالة والتنمية، مضيفا أنه حذّر الجنرال Basbug من خططهم. وهناك قصة أخرى ولكنها أقل احتمالا، وهي أن الشرطة التي تمتلئ برجال جولان زورت الوثيقة لإحراج الجيش.
ولا شك أن الثقة شبه معدومة بين الجيش والحكومة والأجهزة الأمنية. ويأمل الكثيرون أن تمنح هذه القضية Basbug فرصة لإثبات مصداقيته الديمقراطية واقتلاع العناصر المارقة إلى الأبد. إلا أن الدلائل ليست مشجعة، حيث لم يتم توقيف العقيد Cicek خلال التحقيق، كما فرض المدعون العامون للجيش حظرا قانونيا مشكوكا فيه على نشر أي أخبار عنه.
وتقع الآن على كاهل أردوغان مسؤولية الإصرار على ضرورة أن يأخذ الجنرال الأوامر منه وليس العكس. ويوحي اجتماعه مع الجنرال Basbug أنه قد يكون أكثر اهتماما بعقد الصفقات. وهذا ما فعله، كما يبدو، مع سلف الجنرال، Yasar Buyukanit، الذي أصدر بيانا على الإنترنت في نيسان (أبريل) 2007 يهدد فيه بالاستيلاء على السلطة. وبعد ذلك بوقت قصير، التقى أردوغان مع الجنرال Buyukanit لمدة ساعتين. وتعهد كلاهما بالسرية ما أثار التكهنات بعقد هدنة.
وتشير هذه الفضيحة الجديدة إلى أنه مهما تعددت المؤامرات ضده، سيظل حزب العدالة والتنمية هدفا لأولئك الذين يشعرون بالاستياء من تعديه على معاقل السلطة التقليدية. وما ينذر بالسوء هو أن المدعي العام الذي أغلق قضية المحكمة ضد حزب العدالة والتنمية عام 2008 قدم شكوى غريبة الآن بأن الحكومة تركز "كثيرا على النمو الاقتصادي" على حساب العلمانية. وقد عارض أيضا التغييرات الدستورية المقترحة التي ستصعّب حظر الأحزاب السياسية. ويجب على أردوغان أن يظل متمسكا بهدفه ويمضي قدما في إجراء هذه التغييرات. فأفضل رد على الهجوم على الديمقراطية هو المزيد من الديمقراطية.

الأكثر قراءة