لا، شكرا يا جنيف
في كل عام، يعد المسؤولون الروس أن بلادهم ستستكمل بحلول نهاية العام المقبل المفاوضات للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وقد أصبح ذلك من الطقوس المعتادة. وفي كل عام يتم تقديم الجدول الزمني لمدة عام آخر. إلا أن رئيس الوزراء الروسي، فلاديمير بوتين، تجاوز هذه الطقوس الآن وأعلن أنه بعد 16 عاما من محاولة الدخول لم تعد روسيا تريد الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وحدها، بل في إطار اتحاد جمركي أقامته مع بيلاروس وكازاخستان. وأثار تحول المسار هذا صدمة المفاوضين التجاريين من كلا الجانبين، الذين كانوا قبل أسابيع فقط يحاولون تسوية المسائل الأخيرة في الاتفاق.
ما سبب هذا التغيير؟ ربما يكون الكرملين ببساطة قد سئم من المطالب الجديدة التي لا تنتهي وحالات التأجيل المستمرة. وبعد حرب آب (أغسطس) الماضي مع جورجيا، اتهم بوتين الغرب بتسييس المحادثات التجارية وقال إن روسيا لن تسمح لأحد بإخافتها. وقد انضمت كل من أوكرانيا وجورجيا الآن، الجمهوريتين السوفيتيتين السابقتين اللتين تسببان مشكلات كبيرة في الكرملين، إلى منظمة التجارة العالمية، ولم يتم السماح بانضمام روسيا (التي تم ممارسة حق الفيتو على عضويتها بشكل متعمد). وعن طريق إعلانه هذا قبل زيارة باراك أوباما لموسكو، ألغى بوتين التنازل السهل الذي كان من الممكن أن يقدمه الرئيس الأمريكي. وقال أحد كبار المسؤولين الأمريكيين: "لقد اعتقدنا حقا أن بوسعنا استكمال (المحادثات) بحلول نهاية العام".
ومن الناحية العملية، لن تخسر روسيا الكثير. فأغلب صادراتها من النفط والغاز، السلعتين اللتين لا تغطيهما منظمة التجارة العالمية. والبقاء خارج المنظمة لفترة أطول يعطيها حرية أكبر لرفع الرسوم الجمركية على السيارات المستعملة أو رسوم صادرات الخشب. ويشير بعض المراقبين أن الكرملين لم يكن يشعر أبدا بالارتياح لفكرة التجارة الحرة وكان يعتبر القواعد مصدر إزعاج وليس حافزا لإعادة هيكلة الاقتصاد.
إلا أن طموح روسيا بالانضمام، التي أثارت بدورها احتمالية الانضمام إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس التي تضم الدول الغنية، يظهر رغبتها للاندماج في النظام الاقتصادي العالمي. والآن، يبدو أن الكرملين يفضل أن يكون قوة إقليمية متميزة قادرة على توفير مؤسسات وتحالفات اقتصادية وعسكرية لاستبدال مؤسسات وتحالفات الغرب. ولطالما كان بوتين يقول إن المنظمات الدولية مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي أصبحتا قديمتين، وأنه يجب استكمالهما أو حتى استبدالهما بنواد إقليمية. وترى روسيا نفسها مركز النفوذ الإقليمي في العالم متعدد الأقطاب الذي تدعو إليه. وأخيرا، قال الرئيس الروسي، ديميتري ميدفيديف، إن التحالف العسكري بين روسيا، أوزبكستان، بيلاروس، أرمينيا، كازاخستان، قيرغيزستان، وطاجيكستان، الذي يسمى منظمة معاهدة الأمن الجماعي، "لن يكون أسوأ من الناتو".
وتعتبر روسيا أي مشروع أجنبي يمس الاتحاد السوفيتي السابق، بما في ذلك الشراكة الشرقية الجديدة للاتحاد الأوروبي، بوصفه تحديا مباشرا. إلا أن الخطر الأكبر على طموحاتها لتأكيد نفوذها الإقليمي يكمن في موقفها تجاه جيرانها. فحتى حين وقعت على اتفاق اتحاد جمركي مع بيلاروس، فرضت روسيا حظر على منتجات الألبان من بيلاروس، والتي ادعت أنها لا تلبي قواعد التغليف الجديدة الخاصة بها (وليس كما قالت في السابق إن النبيذ والفواكه والمياه المعدنية من جورجيا متدنية الجودة). إلا أن Alyaksandr Lukashenka، الرئيس الاستبدادي لبيلاروس، فسر هذا (ربما بدقة) على أنه عقاب للتصرف الفظ مع روسيا ورفض دعم سياستها للاعتراف باستقلال منطقتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا.
ويشتهر Lukashenka باستخدام أساليب ابتزازية. وحين شكك وزير المالية الروسي، Alexei Kudrin، بقدرة بيلاروس على الوفاء بالتزاماتها المالية ومنع منح قرض بمبلغ 500 مليون دولار قبل عدة أسابيع، رد Lukashenka بالقول: "إذا لم ينجح الأمر مع روسيا.. علينا أن نجرب حظنا في منطقة أخرى في العالم". وردا على حظر الحليب، قاطع آخر قمة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي، مصرا على أن محادثات الأمن الجماعي في ظل خلفية الحروب التجارية التي يشنها بعض أعضاء منظمة معاهدة الأمن الجماعي منافية للمنطق السليم. وعلّق Fyodor Lukyanov، الخبير في السياسة الخارجية في موسكو، بالقول إنه حين توقفت منظمة معاهدة الأمن الجماعي عن العمل بوصفها مجرد رمز للولاء لروسيا وبدأت بوضع أهداف ملموسة، "أصبح واضحا أن المنظمة لا تخدم المصالح الحقيقية لأعضائها."