رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ثقافة المجتمع .. تصنع التنمية!

تميز الأفراد لا يصنع التنمية.. وإنما ثقافة المجتمع والنظرة المشتركة لأفراده ولحمتهم عبر تلك القيم المشتركة التي تحدد ما يصح وما لا يصح وما هو مهم وغير مهم. واعتمادا على نوعية الثقافة ومستواها يتحدد مستوى التنمية الاجتماعية والتقدم الاقتصادي والتطور الصناعي. المجتمعات ذات الثقافة التي تشجع الإنتاجية واحترام الوقت وتطبيق النظام وبذل الجهد والدافعية نحو الإنجاز وتحقيق الأفضل وتناول الموضوعات العامة بحيادية وعقلانية تعتلي السلم الحضاري بينما يقبع غيرها في الدرجات الأدنى! فالإطار الثقافي يحدد معالم الطريق للمجتمع أفرادا ومؤسسات وهو بمثابة البوصلة التي تقودهم نحو الاتجاه الصحيح ليكون هم الجميع تحقيق الرؤية المشتركة واستثمار الجهود والموارد والأوقات بتناسق وتناغم في بناء مجتمع الرفاهية ينعم أفراده بمستوى معيشي مرتفع وانتظام اجتماعي وتوزيع عادل للدخل مبني على الجد والاجتهاد ومقدار المساهمة في الإنتاج الوطني. هذا هو السر الحقيقي وراء انطلاقة بلدان عديدة واحتلالها مراكز متقدمة بين أمم العالم وهي التي كانت حتى وقت قريب تعد دولا متخلفة اقتصاديا وصناعيا. إنها النظرة المشتركة والإيمان الراسخ في أن الجميع تقلهم السفينة نفسها وأنه لا يمكن بأي حال أن تسير وتمخر عباب الزمن وتواجه تلاطم أمواج التحديات والمستجدات وأن تصل حيث وجهتها بكفاءة وفاعلية وبأمن وسلامة إذا لم يتعاون ويتكاتف أفراد المجتمع ومؤسساته في تحقيق ذلك. هذه هي سمة المجتمعات الواعية التي تعي أين هي الآن، وما ترغب أن تكون عليه في المستقبل، ليس أمنيات ولكن حرص والتزام في الوصول إلى تطلعاتها بالعمل الجاد الدؤوب على المستويين المؤسسي والفردي فكرا وميولا وسلوكا. هذا الانصهار الجماعي يؤدي إلى تناغم بين المصالح الخاصة للأفراد والمصلحة العامة، فتحقيق المصالح الخاصة يقود نحو تحقيق المصلحة العامة فهي منابع إنتاجية تصب في نهر التنمية الاجتماعية والاقتصادية وتسهم في تطوير المجتمع ورقيه في تنافس نحو الأفضل، وفي المقابل تهيئ السياسات والأنظمة العامة الفرصة والمناخ العام للأفراد للبذل والعطاء وتلبية متطلباتهم وتحقيق رغباتهم.
وبنظرة فاحصة لواقعنا الاجتماعي نجد أن هناك ثقافة تسيطر عليها الأنانية والاتكالية واللامسؤولية. إنها ثقافة أخذ الكثير وتقديم أقل القليل. ولذا يندفع كثيرون في البحث عن السهل وبأساليب مختلفة ليست بالضرورة لتحقيق الأفضل وإنما مصالح ذاتية آنية، ترتكز جميعها على توظيف الانتماء الوطني للاستجداء والحصول على أكبر قدر من المنافع الاقتصادية دون أن يقوموا بمسؤولياتهم تجاه الوطن وتقديم ما يشفع لهم في الحصول على مبتغاهم ومطالبهم. فالطالب الكسول الذي لا يحقق النسب المطلوبة لدخول الجامعة يزمجر بأعلى صوته في أن الدولة يجب أن تقوم بتهيئة الفرصة له! وبعض خريجي الجامعات والثانوية يرون أن الموظفين الأجانب سلبوهم حظهم من التوظيف دون أن يبذلوا جهدا في إثبات أنفسهم، ونسبة من التجار والصناع يتلهفون في أخذ الدعم والقروض الحكومية فإن أعطوا رضوا، وإن لم يعطوا سخطوا وشدوا الرحال في أقرب رحلة إلى بلدان أخرى ومعهم أموال الوطن! وهكذا تتكرر الصورة في جوانب كثيرة من حياتنا الاجتماعية. كثيرون يتساءلون ماذا قدم لنا الوطن دون أن يسألوا أنفسهم ماذا قدمنا له؟!
وإذا ما انطفأت روح المنافسة والدافعية لتحقيق الإنجاز والنجاح، فإن ذلك نذير شؤم على البلاد والعباد تتلاشى معها حظوظنا في التطوير والتنمية الحقيقية. هذه الثقافة الاتكالية السلبية لم تكن معهودة قبل الطفرة الاقتصادية في بداية السبعينيات من القرن الماضي، إذ كانت هناك علاقة واضحة بين الجهد والاجتهاد والإنتاجية ومستوى الدخل، وكان التنافس في جانب الإنتاج وتوليد الدخل وليس في جانب الاستهلاك والإنفاق، كما هو واقع الحال من المباهاة في الإسراف والبذخ والتبذير والمظاهر الشكلية الكمالية حتى أصبح هناك من ينفق أكثر من دخله أضعافا مضاعفة لتقديم صورة مزيفة تؤمن له ـ بحد زعمهم ـ مكانة وبريقا اجتماعيا لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يضيف ـ مع الأسف ـ لتقدم المجتمع، بل على العكس تماما يكون شرا ووبالا على الاقتصاد الوطني تستنزف موارده وتؤدي إلى تسرب الأموال إلى خارجه. وهكذا يتلبس الأفراد والجماعات الزهو والاعتداد في بالنفس والكرامة المبنية على معايير الجاهلية الأولى مفادها الربح بخسارة الآخرين والتقليل من شأنهم والنظر إليهم بنظرة دونية دون مبررات منطقية وشرعية. إنها إنجازات العاجزين الذين يتخفون خلف المفاخرة الجوفاء فيما ليس لهم فيه إسهام أو خداع للنفس وإرضائها بتضخيم الذات تارة وقلب موازين القيم تارة أخرى حتى ليبدو الحسن قبيحا والقبيح حسنا. لقد تجذر لدى كثيرين أنه مجرد الانتساب للمجتمع والدولة كاف لأن يحصل على كل شيء بطريقة طفيلية سلبية. هذا المرض الاجتماعي أساسه الخلط بين التقدم المادي العمراني والتطور الثقافي الذي يفرز تصورا خاطئا وشعورا مزيفا في أننا بلغنا حالة من النضج الحضاري.
لقد وصلتني عدة ردود على مقالي في الأسبوع الماضي والذي كان عنوانه "قبول أبناء المقيمين في الجامعات الحكومية الفرصة الضائعة" والذي أجزم أن الأغلبية العظمى لم يمنحوا أنفسهم الفرصة لقراءة ولو عنوان المقال كاملا. وهذا ما يعكس الثقافة التكاسلية العاطفية التي تحتمي بالانتماء دون إثبات الذات. لقد ذكرت في المقال أن هناك ما يقارب نصف المليون طالب من غير المواطنين يجب الاستفادة منهم أولا اقتصاديا وثانيا تعليميا وثالثا سياسيا. اقتصاديا بأن يمنحوا التعليم مقابل رسوم وهذا مصدر اقتصادي كبير تسعى إليه دول كثيرة. تعليميا بأن يسهموا في التنوع الثقافي ورفع مستوى المنافسة في العملية التعليمية. وسياسيا في كسب ولائهم وارتباطهم الثقافي ببلادنا. والدلائل تشير إلى أن الجامعات السعودية التي فتحت باب القبول للطلبة الأجانب، وتحديدا الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، قد نجحت جميعها أيما نجاح في تعزيز ارتباط الآخرين من أصحاب الرأي والسلطة بالمجتمعات الأخرى بالثقافة السعودية. لقد حجبت العاطفة والمشاعر العدوانية والتعصب الأعمى كثيرين عن رؤية مصالحهم والمصلحة الوطنية، وأخشى من مثل هذا التفكير القاصر أن يقلل من حظوظنا في التنمية الاجتماعية وتكبير الكعكة الاقتصادية ومن ثم عجزنا عن مواجهة مشكلات البطالة والفقر التي يشتكي منها أولئك العاجزون المتفرجون، فـ "الجاهل عدو نفسه"!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي