رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


صحيفة "الاقتصادية".. وملف استهلاك الطاقة النفطية!

الإنجاز المهني الفريد الذي قامت به صحيفة "الاقتصادية" والذي من خلاله اكتشفت أن معدلات استهلاك الفرد من الطاقة النفطية في السعودية من أعلى معدلات استهلاك الأفراد للمنتجات النفطية في العالم، وكذلك اكتشافها أن هذه المعدلات من الاستهلاك للمنتجات النفطية والغاز الطبيعي تمثل نحو ربع إنتاج المملكة من الطاقة، كذلك اكتشفت الصحيفة أن استمرار استهلاك الطاقة على هذا النحو سيجعلها تستهلك نصف إنتاجها الحالي كل 15 عاماً، كما أوضحت الصحيفة أن الزيادات الملحوظة في استهلاك الطاقة النفطية ستؤدى إلى نقص حاد في صادراتنا النفطية، وإذا انخفضت صادراتنا النفطية، فإن ذلك سيؤدى إلى انخفاض ملحوظ في الإيرادات ولا سيما أن الإيرادات من النفط هي ـ في الوقت الراهن ـ الممول الرئيس لكل برامج وخطط التنمية.
بهذا التسلسل المهني المميز صورت لنا صحيفة "الاقتصادية" المحترمة مستقبل العلاقة بين المواطن وبين ثروته الوطنية، وأطلقت الإنذار تلو الإنذار بضرورة الحيطة والحذر وإعادة النظر في سياسات التسعير والاستهلاك لثرواتنا النفطية، وإلاّ فإن ناقوس الخطر سيدق في كل بيت من بيوتنا، بل فإن ناقوس الخطر سيدق فوق رؤوسنا جميعاً ويهدد مستقبل أجيالنا المقبلة.
قبل أن نناقش هذه النتائج المهمة يجدر بنا أن نميز بين الطاقة في المطلق، وبين الطاقة النفطية، بمعنى أن الطاقة بمفهومها العام هو الهدف الذي لا نسعى إلى خفضه، بل بالعكس نحن نريد أن نزيد من استهلاك الطاقة من خلال تنفيذ مزيد من برامج التنمية المستدامة، ولكن ما نريده هو تخفيض استهلاك الطاقة النفطية وليس الطاقة الشمسية أو الطاقة النووية التي نرجو أن ننجح في القريب العاجل في بناء قواعدها العملاقة.
النتائج التي توصلت إليها الصحيفة الغراء تؤكد أن الصحيفة بذلت جهوداً مشكورة وتناولت موضوعاً من أخطر الموضوعات في حياة الإنسان السعودي حتى توصلت إلى نتائج باهرة، ولكن أتصور أن القضية من الخطورة بحيث تحتاج إلى جهد تقنى متخصص من قبل وزارة الاقتصاد والتخطيط ووزارة النفط والثروة المعدنية، وتضاف إلى الوزارتين مؤسستين تقنية وأكاديمية هما مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن.
وإذا تبلور هذا الجهد في صورة دراسة علمية جادة، بإمكانات وزارتين متخصصتين ومؤسستين مؤهلتين، فإن خطتي التنمية التاسعة والعاشرة وما بعدهما يجب أن تتضمن سياسات جديدة لأسعار المنتجات النفطية، كذلك يجب أن تتضمن برامج للبحث عن بدائل للطاقة النفطية وبالذات الطاقة الشمسية التي خطونا فيها خطوات متقدمة ـ منذ ربع قرن ـ ولكننا لم نكمل المشوار واكتفينا بمشروع الدرعية الرائد الذي كانت تتولاه مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية والذي حقق إنجازات فنية رائدة بشهادة الخبرة الأمريكية، ولكن فجأة اتخذت المدينة قراراً بتجميد المشروع وإيقاف النجاحات التي إذا استمرت منذ ربع قرن لكنا الآن من أكثر الدول تقدماً في استخدام الطاقة الشمسية، وهى طاقة تتوافر في بلادنا بشكل كان يمكن أن يضعنا في مقدمة الدول التي لديها أكبر احتياطي من الطاقة الشمسية في العالم، أمّا بالنسبة للطاقة النووية في برامجها السلمية فقد حققت نجاحات كبيرة في كثير من دول العالم، كذلك نجحت بعض شركات السيارات في إنتاج سيارات تدار بالطاقة الكهربائية وتجارب هذه السيارات في مراحلها النهائية.
ويجب ألا يغرب عن البال إن زيادة الطلب على الطاقة النفطية بهذه المعدلات المخيفة ليس سببه المواطن العادي، وإنما تشترك في أسبابه أمور كثيرة منها أن عدد المقيمين الذين يملكون سيارات تضاعف حيث لم تعد الشوارع تتسع لمركباتهم، كما أن عدم توافر شبكة مواصلات داخلية للنقل الجماعي والتوجه إلى شراء الشاحنات الضخمة والمعدات الثقيلة زاد من استهلاك المواد النفطية بشكل مخيف.
وإذا كانت هذه المشكلة عصية على الحل، فإن المشكلة الأصعب هي أن معدل الزيادة في عدد السكان يتنامى بمتواليات هندسية، ومع كل شاب مفتاح وسيارة، يضاف إلى ذلك أن القطاع الصناعي يتقدم بخطا واسعة، حيث يضع المملكة في مقدمة الدول الصناعية الناشئة المستهلكة للنفط ومشتقاته.
ورغم أن الزيادة في استهلاك البنزين بدأت تتضح من خلال توقف بعض محطات الوقود بسبب نقص كميات البنزين المتاح للمحطات، كذلك فإن العجز في إنتاج المشتقات النفطية أخذ يتعاظم في السوق المحلية مما أدى إلى تحويل السوق السعودية من دولة مصدرة للمشتقات النفطية إلى دولة مستوردة لها.
إذن لا نستطيع أن نكابر ونقول إننا لسنا مقبلين على أزمات في سوق النفط المحلى بعد أن أصبح الطلب يفوق العرض سواء في البنزين المتاح للمركبات أو المشتقات النفطية المتوافرة في المحطات. الأشرس من هذا أن انخفاض أسعار البنزين أدى إلى ازدهار حرفية التهريب إلى الدول المجاورة، حيث إن كمية كبيرة من البنزين يقوم المرابون بتسريبها إلى الدول المجاورة لتباع بثمن مضاعف, ولكن السؤال: هل اللجوء إلى رفع الأسعار في السوق المحلية كاف لخفض الاستهلاك، أم إن زيادة الأسعار لن تؤثر في الطلب على الطاقة؟
نعود ونقول إن الطلب على الطاقة النفطية لن ينخفض بزيادة أسعار الطاقة النفطية، وإنما سيزداد الطلب على الطاقة النفطية طالما أن معدلات الزيادة في عدد السكان تضرب في العالي، وطالما أن النفط هو الطاقة الوحيدة، وطالما أن الدولة تتجه إلى التصنيع بخطوات قوية، وطالما أن برامج ومشاريع التنمية تسير على قدم وساق.
ونعود مرة أخرى لنؤكد أن خفض استهلاك النفط ومشتقاته ممكن ولكن ليس بزيادة أسعاره، وإنما بإيجاد بدائل للطاقة، ولدينا ثلاثة بدائل متاحة أولها ـ كما ذكرنا ـ الطاقة الشمسية وثانيها الطاقة النووية للأغراض السلمية ولقد اتخذنا خطوة تأسيسية وئيدة تحتاج إلى خطوات قوية، وثالثها تشجيع الاتجاه إلى شراء المركبات التي تدار بالطاقة الكهربائية والعزوف عن شراء المركبات التي تدار بالبنزين أو الديزل.
هنا يجب أن نميز بين الطاقة في المطلق، وبين الطاقة النفطية، بمعنى نحن لا نريد أن نخفض من استهلاك الطاقة، بل على العكس نحن نريد أن نزيد من استهلاك الطاقة وننفذ المزيد من برامج التنمية المستدامة، ولكن نريد أن نخفض من الطاقة النفطية وليس الطاقة الشمسية والطاقة النووية التي نرجو أن نسرع الخطى في اتخاذ خطوات واسعة لبناء مفاعلاتها ومعاملها. وأحب أن أؤكد للمرة الثانية والثالثة أن زيادة أسعار النفط لن تؤدى إلى خفض الطلب على النفط في السوق المحلية للأسباب التي سبق أن ذكرناها، وإنما الذي يخفض الطلب على النفط ومشتقاته هو توافر الطاقة البديلة بأسعار اقتصادية مقبولة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي