رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


انحسار موجة التضخم في الثلث الأول من عام 2009

شهد عام 2008 ارتفاعا حاداً في الرقم القياسي لتكاليف المعيشة مقارنةً بالأعوام السابقة. وتستخدم التغيرات في الرقم القياسي لتكاليف المعيشة كمعيار للتضخم في المملكة. وبلغت معدلات التضخم في عام 2008 أعلى مستوياتها منذ منتصف السبعينيات من القرن الـ 20. وقد تسببت العوامل الخارجية المتمثلة في ارتفاع أسعار المواد الأساسية، وارتفاع معدلات التضخم الخارجية، وتراجع معدلات صرف الريال مقابل عدد من العملات الرئيسة في الجزء المستورد من التضخم. ونتج الجزء المتبقي من التضخم عن أسباب داخلية تمثلت في ارتفاع حاد في الطلب المحلي الخاص والعام، والعجز عن تلبية الطلب على الوحدات السكنية، وارتفاع أجور جزء كبير من القوى العاملة، والتوسع الكبير في السيولة. وقد سجلت أول عشرة أشهر من العام السابق معظم الزيادة في الأسعار. وبعد اشتداد وطأة الأزمة المالية العالمية، بدأت تنحسر موجة التضخم التي كانت تضرب الكثير من دول العالم، وخصوصاً الدول الصاعدة والتي تعد المملكة من ضمنها. وتراجعت أسعار المواد الأساسية بسبب تراجع الطلب العالمي الناشئ عن الركود في معظم الدول الاقتصادية الكبرى. وقد شهد شهرا تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر) من عام 2008 تراجعاً في معدلات ارتفاع تكاليف المعيشة، حيث تراجع الرقم القياسي لتكاليف المعيشة في تشرين الثاني (نوفمبر) بنسبة 0.2 في المائة، وارتفع في الشهر الذي يليه بالنسبة نفسها، ما أدى إلى استقرار معدلات التضخم في نهاية عام 2008.
أما في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2009 فقد ارتفع الرقم القياسي لتكاليف المعيشة بشكل معتدل مقارنةً بنهاية عام 2008، مما يدل على وجود مؤشرات على انحسار موجة التضخم القوية التي كانت سائدة في نهاية 2007، وأول عشرة أشهر من عام 2008. وقد تسببت الأزمة المالية العالمية في تراجع قوي في الطلب على السلع ورفعت معدلات صرف الدولار الأمريكي، ما حسن من معدلات صرف الريال، وإضافة إلى ذلك هدأت موجة تصاعد أسعار المواد الغذائية، بل بدأ الكثير من أسعارها في التراجع. وقد أدت هذه العوامل إلى خفض تأثير التضخم المستورد الذي خفض معدلات التضخم في المملكة. ورغم التراجع الكبير في معدلات التضخم إلا أن مؤشرات تغير الأسعار في الثلث الأول من عام 2009 تفيد باستمرار معدلات الأسعار بالتحرك، ولكن بصورة بطيئة. فقد ارتفع الرقم القياسي لتكاليف المعيشة في نيسان ( أبريل) من عام 2009 بنسبة 0.9 في المائة مقارنةً بمستواه في كانون الأول (ديسمبر) من عام 2008، وهو ما يمثل معدل نمو سنوي مقداره نحو 3 في المائة. وهذا المعدل في حالة استمراره يشير إلى وجود تضخم منخفض نسبياً وتراجعه عن معدلاته القوية في عام 2008 والتي بلغت نحو 10 في المائة.
من جهةٍ أخرى، ارتفعت تكاليف المعشية بنسبة 6.5 في المائة في فترة الأشهر الأربعة الأولى من عام 2009 مقارنةً مع مستواها خلال الفترة المقابلة من عام 2008. وأتى معظم الارتفاع في هذه الفترة من تصاعد تكاليف السكن بنسبة 16.7 في المائة وتكاليف الأثاث بنسبة 12.1 في المائة وتكاليف الأغذية بنسبة 4.2 في المائة. وتشير بيانات الأرقام القياسية لتكاليف المعيشة إلى انحسار مستويات التضخم المستورد الناشئ عن ارتفاع المواد الأولية المستوردة، وكذلك تراجع التضخم في المواد المصنعة بسبب الركود الاقتصادي العالمي وتحسن أو استقرار معدلات صرف الريال السعودي مع العملات الأخرى، وذلك عند مقارنتها خلال الفترتين.

ويمكن من الرسم البياني المرفق ملاحظة تراجع حدة معدلات التضخم منذ تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2008، ولكن قصر الفترة التي تراجعت فيها هذه المعدلات يقلل من درجة التأكد من هذه النتيجة. وتفيد بيانات تكاليف المعيشة باستمرار أهم مصادر التضخم المحلية بالتأثير عليه، فقد ارتفعت تكاليف السكن بنسبة 5.8 في المائة خلال الثلث الأول من عام 2009 مقارنةً مع نهاية 2008، بل إن تأثير تكاليف السكن على التضخم خلال الفترة فاق مجموع تأثير المجموعات الأخرى. وقد تراجعت تكاليف ست من المجموعات الثماني المكونة للرقم القياسي، بينما ارتفعت تكاليف مجموعتي السكن والسلع والخدمات الأخرى. وارتفعت تكاليف مجموعة السلع والخدمات الأخرى بسبب ارتفاع أسعار الذهب, بينما جاء ارتفاع تكاليف السكن نتيجةً لاستمرار نمو الطلب المحلي على الوحدات السكنية والمدفوع بالنمو السكاني والتأخر في توفير الوحدات السكنية.
وترفع المملكة كجزء من مجموعة العشرين الإنفاق الحكومي لتحفيز الاقتصاد المحلي والمساهمة في تنشيط الاقتصاد العالمي. ويدفع ارتفاع الإنفاق الحكومي الذي أتى لتعويض تراجع الإنفاق الخاص بالطلب الكلي إلى الأعلى. وأسهمت أيضاً الزيادة في رواتب الموظفين في دفع إنفاق القطاع الخاص والتعويض عن الفاقد نتيجةً خسائر أسواق الأصول وتراجع معدلات النمو في مستويات الائتمان الممنوح للقطاع الخاص. وأدى ارتفاع تكلفة الائتمان بعد الأزمة المالية العالمية إلى تراجع في نمو الائتمان الجديد الممنوح للقطاع الخاص رغم محاولات مؤسسة النقد العربي السعودي خفض تكاليف منح الائتمان. وتلوح في الأفق مؤشرات على عودة نمو مستويات الائتمان الممنوح للقطاع الخاص للارتفاع، حيث يشير تراجع تكاليف الإقراض في الفترة الأخيرة إلى عودة القطاع الخاص إلى رفع مستويات إنفاقه. ويسهم أيضاً التحسن في أسواق الأصول المالية وغير المالية في إعادة الثقة للمستثمرين والمستهلكين ودفع عمليتي الاستثمار والاستهلاك، ما سيدعم النمو ويرفع مستويات الطلب الكلي. ومع ظهور مؤشرات على ارتفاع الطلب الكلي المحلي يجب الحذر من المبالغة في تحفيز الاقتصاد، حيث ستؤدي المبالغة الكبيرة في تحفيز الإنفاق الحكومي وعودة القطاع الخاص إلى رفع مستويات إنفاقه إلى عودة سريعة للضغوط التضخمية. وتوجد في الوقت الحالي فرصة سانحة للسيطرة على معدلات التضخم المرتفعة التي كانت سائدة في الفترة السابقة، وخصوصاً في ظل تراجع تأثير التضخم المستورد. وينبغي استغلال هذه الفرصة من خلال تبني السياسات التي تسيطر على مستويات التضخم. ولن تتم السيطرة على مستويات التضخم المحلي إلا بتجنب التوسع السريع في الإنفاق الحكومي المحلي والسيطرة على تكاليف السكن وكذلك الحد من النمو القوي في معدلات نمو الائتمان الممنوح للقطاع الخاص.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي