الاستثمار في قطاع الطاقة خلال فترات الانكماش الاقتصادي (الجزء الأول)
لقد شهدت أسواق الطاقة العالمية انتعاشا منذ عام 2003 حتى منتصف عام 2008 فعكست حالة جيدة جدا من النمو الاقتصادي العالمي لم يشهدها العالم منذ أكثر من قرنين. لكن أسواق الطاقة العالمية تواجه حاليا أسوأ ركود اقتصادي لم يواجه مثله العالم منذ أكثر من ستة عقود. في الواقع أن العالم فقد خلال فترة الركود الاقتصادي الحالي ما يعادل سنتين من النمو الاقتصادي والتبادل التجاري الدولي (التجارة العالمية) ففي نهاية العام الحالي من المتوقع أن يكون مجموع الناتج المحلي الإجمالي العالمي GDP، مساويا لما كان عليه في الربع الثالث من عام 2007، كما أن مستوى التبادل التجاري العالمي الإجمالي انخفض إلى دون مستويات عام 2006، حسب إحصائيات صندوق النقد الدولي IMF. خلال العام الحالي من المتوقع أن ينكمش الاقتصاد العالمي للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية, على الرغم من ذلك تتوافر حاليا مؤشرات وأرقام مشجعة على بدء تحسن الاقتصاد العالمي بحلول نهاية عام 2009 أو في مطلع عام 2010, لكنها في الوقت الراهن غير كافية بعد لانتعاش الطلب على الطاقة مرة أخرى.
إن أثر الانكماش الاقتصادي في الطلب على الطاقة كبير جدا, فعلى سبيل المثال، الطلب العالمي على النفط اليوم في المستوى نفسه الذي كان عليه عام 2004، نتيجة تراجع الطلب العالمي على النفط بنحو 300 ألف إلى 400 ألف برميل يوميا عام 2008، وهو أول انخفاض له منذ عام 1985. إضافة إلى ذلك من المتوقع أن ينخفض الطلب العالمي على النفط عام 2009 انخفاضا حادا ما بين 1.5 إلى 2.5 مليون برميل يوميا عن العام السابق أو في حدود مليوني برميل يوميا في المعدل، حسب معظم الدراسات المتخصصة في هذا المجال. أما في مجال الطاقة الكهربائية، فإن الطلب على الكهرباء في أمريكا الشمالية، حسب تقديرات وزارة الطاقة الأمريكية US DOE، يحتاج على الأقل من أربع إلى خمس سنوات ليعود إلى المستويات التي كان عليها عام 2007. أما بخصوص الغاز الطبيعي، فإن صناعة الغاز الطبيعي في العالم تعاني حاليا تضافر ثلاثة عوامل رئيسة عمدت إلى اختلال في ميزان العرض والطلب العالمي على الغاز وهي: انخفاض الطلب العالمي للغاز، نمو الإمدادات من مصادر الغاز الطبيعي غير التقليدية, خصوصا في أمريكا الشمالية، والارتفاع الكبير المتوقع في الإنتاج العالمي للغاز الطبيعى المسال. إن هذا الاختلال بين ميزان العرض والطلب نتيجة الانكماش الاقتصادي العالمي، لمصلحة العرض أدى إلى زيادة الطاقات الفائضة في جميع مجالات الطاقة الآنفة الذكر. وهذه الطاقات الفائضة ستؤثر بدورها سلبا في الصناعات التي تعتمد على الطاقة بصورة كبيرة والمرافق الصناعية الأخرى، فضلا عن قطاع الطاقة نفسه.
من الأمور المهمة في مواكبة مراحل الانتعاش الاقتصادي هي معرفة السرعة والقوة والمسار الذي سيكون عليه هذا الانتعاش. حيث إنه على الرغم من وجود مؤشرات مطمئنة على بدء انتعاش الاقتصاد العالمي، إلا أن مسار هذا الانتعاش ودرجته غير مؤكد بعد. على سبيل المثال، هل الانتعاش في الاقتصاد العالمي سيكون سريعا وقويا، بحيث يتخذ معدل النمو شكل V أو شكل U؟ أو هل الانتعاش في الاقتصاد العالمي سيكون بطيئا بحيث يحتاج إلى وقت طويل ليكتسب القدرة على استرجاع عافيته – بحيث يكون النمو على شكل L؟ أو قد يكون مسار الانتعاش ودرجته مزيجا من هذه الحالات؟ حيث إن مسار وقوة الانتعاش الاقتصادي هما اللذان سيحددان معدل النمو في الطلب العالمي على النفط والغاز الطبيعي ومصادر الطاقة الأخرى، وبالتالي سيحددان سرعة خفض الطاقات الإنتاجية الفائضة في أسواق الطاقة، هذا مع احتمال دخول أسواق الطاقة دورة ازدهار وكساد جديدة في الإمدادات Boom Bust Cycle. الأمر الملح في الوقت الحاضرهو عودة نمو الطلب العالمي على الطاقة إلى سابق عهده، حيث إنه حتى الآن معظم أسواق الطاقة فقدت خلال فترة الركود الاقتصادي الحالي ما يعادل سنتين أو أكثر من النمو على الطاقة.
إن استراتيجيات الاستثمار في قطاع الطاقة خلال فترات الانكماش الاقتصادي، تتأثر بمجموعة من العوامل، من الممكن تلخيصها في المحاور الرئيسة التالية:
تداعيات التدهور الاقتصادي العالمي على قطاع الطاقة: يعد الركود الاقتصادي العالمي الراهن العامل الرئيس الحاسم في كل القرارات المتعلقة بالاستثمار في مجال الطاقة اليوم. حيث إن الركود وأزمة الائتمان المرتبطة به تؤثر في الطلب على النفط والغاز والطاقة الكهربائية، كما أسلفنا. كما أنها تؤثر في إمكانية الاستثمار في مشاريع الطاقات الجديدة.
تزايد تأثير الحكومات في الأسواق بصورة عامة وأسواق الطاقة بصورة خاصة وتداعيات ذلك على قطاع الطاقة، خصوصا في الدول ذات الاقتصاد الحر: العامل الثاني المهم هو: ما درجة وشكل استجابة السياسة العامة للدول للركود الاقتصادي؟! حيث في مثل هذه الظروف تلعب حكومات الدول دورا أكبر في قرارات معظم الاقتصادات، حيث تؤثر في قرارات الاستثمار الحالية، إضافة إلى لعبها دورا أكبر في تحديد ما سيكون عليه مزيج مصادر الطاقة Energy Mix في المستقبل.
خيارات الاستثمار خلال دورة الازدهار والكساد الاقتصادية Boom Bust Cycle: إن الاستثمارات في مجال الطاقة تحت أي ظرف لا يمكن أن تتوقف تماما. في فترات الانكماش الاقتصادي، على قطاع صناعة الطاقة تحديد خيارات حول كيفية الاستثمار في مشاريع جديدة لتلبية الطلب في المستقبل. خيارات وقرارات الاستثمار هذه تتم في ظل ظروف الكساد العالمي، وزيادة دور الحكومات في اتخاذ القرارات، واحتمال أن الطلب المتوقع بعد الانتعاش سيكون مختلفا عما كان عليه قبل الكساد، كأن يكون أدنى مستوى مما كان متوقعا قبل سنة مثلا.
هذا وسيتم في المقالات اللاحقة استعراض هذه العوامل بتفصيل أكثر.