رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


سري وغير قابل للتداول!

تقوم معظم الجهات الحكومية بإجراء مسح لجمع بيانات عن موضوعات مختلفة ومجالات متعددة، وذلك من خلال أجهزتها أو بالاستعانة بمؤسسات وشركات استشارية من داخل المملكة وخارجها. وفي معظم الأحيان لا تستفيد تلك الجهات من البيانات بالدرجة المطلوبة وتمنع الاستفادة منها من قبل جهات حكومية أخرى أو باحثين سعوديين، ما يجعل مقدار الاستفادة منها لا يعادل الجهد والمال الذي أنفق في سبيل جمعها، وتكون بذلك "خسارة وهدر أموال عامة".
تتذرع بعض الجهات بحجة "سرية البيانات وعدم قابليتها للتداول"، دون تقييم دقيق لحساسية البيانات، وذلك عملاً بالمثل الدارج "باب يجيك منه ريح، سده واستريح". يحدث ذلك لعدم وجود معايير واضحة لتصنيف سرية البيانات من جهة، وغياب المساءلة عن سبب حجب البيانات وعدم إتاحتها للمستفيدين من جهة أخرى. هذه الظروف تجعل بعض المؤسسات تبالغ في استخدام حجة السرية عندما ترغب في حجب الاستفادة من بيانات يُفترض أن تكون في متناول المستفيدين، خاصة أنها ملكية عامة للدولة، وجمعت بإنفاق حكومي. وأحياناً تصل الأمور إلى درجة أسوأ، حيث تتحول البيانات إلى ملكية خاصة لمدير الإدارة التي أشرفت على جمع تلك البيانات.
إن وضع العراقيل بحجة السرية تتسبب في هدر الأموال العامة، وتؤدي إلى الإحباطات لدى الباحثين الذين يحرمون من الاستفادة من بيانات عامة يمكن أن تعود على المجتمع بالفائدة من خلال فهم ظاهرات أو قضايا مجتمعية معينة أو الكشف عن أسباب بعض المشكلات، ومن ثم الإسهام في إيجاد الحلول المناسبة لها، أو المساعدة في وصف العلاج الناجع.
أقول ذلك بناء على تجارب واقعية. فيذكر لي أحد الباحثين – على سبيل المثال - معاناة مثيرة للشفقة والاستغراب. يقول إنه تردد على إحدى الجهات الحكومية طالباً الاستفادة من مسح أجري على عينة من السكان، ولكن المسؤول لم يوافق على طلبه؟ وعند الإلحاح بالسؤال عن السبب وتدخل شفاعة زميل آخر، ذكر له سببين، كل واحد منهما أقبح من الآخر. فقال في البداية إنه يرغب (هو مجموعة معه) في الاستفادة من البيانات في إجراء البحوث الخاصة بهم أولاً، وهو يتصرف هنا وكأنه يمتلك البيانات على الرغم من أنها ملك الجهة الحكومية التي أنفقت الملايين لجمعها. وعندما أشار الباحث إلى أن البيانات كثيرة وتحتوي على متغيرات متعددة، ويمكن دراستها من جوانب متعددة، تذرع المسؤول بالسبب الثاني، وهو خشيته أن يكون هناك بعض الاختلاف في النتائج مع ما يتوصل إليه هو وأصحابه. ونسي هذا المسؤول أن وجود الاختلاف هو نتيجة مهمة في حد ذاتها للكشف عن سبب الاختلاف ومعالجته أو تحسين عملية جمع البيانات في المستقبل.
إن هذا الوضع من الأمور المثبطة لهمم الباحثين، ومن أسباب انخفاض الإبداع في البحث العلمي العربي عموماً والسعودي خصوصاً، بل من أهم العوائق لفهم كثير من القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المجتمع.
ومع هذه الصورة القاتمة، لا بد من الإشادة ببعض الجهات الحكومية التي تتعامل مع البيانات بمسؤلية تامة، فتتيح المجال لاستخدام البيانات التي تجمعها بما يفيد المجتمع، ولا يعرض المصلحة العامة أو الخاصة للخطر.
ونحن لا ننكر أهمية الالتزام بأخلاقيات استخدام البيانات، ولا ننكر ضرورة سرية بعض البيانات. فالحفاظ على خصوصية الناس وهوياتهم، ومراعاة الأمن الوطني، أمور مهمة يجب أن تراعى عند اتخاذ القرار بنشر البيانات أياً كان نوعها. ولكن ينبغي عدم ترك قرار إتاحة البيانات للاستخدام في يد شخص لا يدرك أهمية البيانات ولا يعي أهمية هدر المال العام وضياعه في حالة حبس البيانات في الأدراج والأقراص المدمجة دون استخدام!
وبناء على ما سبق، أدعو لإقرار نظام للبيانات يحدد ضوابط جمعها والاستفادة منها، ومعايير تصنيف درجة سريتها، بما يعزز الإستفادة منها ويعود على المجتمع بالخير والمصلحة. فلا يمكن القول بدعم مفهوم اقتصاد المعرفة إذا لم يكن لدينا معايير لتقنين استخدام البيانات وتحويلها إلى معرفة تسهم في تشجيع الابتكار والإبداع، لكي تكون المعرفة أحد المحركات الرئيسة للاقتصاد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي