رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أسعار البترول .. صعود صاروخي أم مضاربات مفتعلة؟

في الأسبوع قبل الماضي حذر معالي المهندس علي إبراهيم النعيمي في الكلمة التي ألقاها في الجلسة الثانية لاجتماع وزراء الطاقة في الدول الصناعية الثماني الذي عقد في العاصمة الإيطالية روما .. حذر الدول الكبرى من تأجيل تنفيذ مشاريع زيادة الطاقة الإنتاجية، وقال معاليه إذا تراجعت الدول الكبرى ولم تباشر تنفيذ المشاريع كما فعلت المملكة العربية السعودية، فإن سوق الطاقة العالمى (قد) تشهد صعوداً صاروخياً لأسعار البترول .. طبعا نحن نعتقد أن معالي الوزير استخدم عبارة الصعود الصاروخي استخداما مجازيا أو استخداما سياسيا لأننا لا نتمنى أن ترتفع الأسعار بسرعة الصاروخ.
إن الأزمة المالية العالمية بدأت تنحسر وتغادرنا إلى غير رجعة رغم التحفظات التي يطلقها بعض الخبراء والمراقبين، وبدأت اقتصادات الدول الكبرى والدول الناشئة تعطي مؤشرات التعافي من الأزمة، وطفقت الأرقام تسجل تحسناً ملحوظاً على كل مستويات الاقتصاد الدولي ابتداء من أسواق الأسهم حتى معدلات الطلب على كل السلع والخدمات في كل الأسواق المحلية والعالمية، ما يعني أنه لا مبرر لاستغراق الدول الكبرى في حالات التشاؤم وإحجامها عن تنفيذ مشاريع زيادة الطاقة الإنتاجية.
بل بالعكس إن الأسواق العالمية في حاجة إلى مبادرات متفائلة تفتح آفاق الخروج من الأزمة وتعزز الآمال بمستقبل واعد ومشرق.
والمؤسف أن صندوق النقد الدولي أشار في تقريره الذي صدر عن شهر أيار (مايو) 2009 إلى معلومات فيها مسحة كبيرة من التشاؤم وبالذات عن الاقتصاد السعودي، وقال التقرير إن معدل نمو الاقتصاد السعودي عام 2009 سينخفض إلى ما يقترب من الربع، ليصل إلى 1.3 في المائة تقريباً مقابل 6 في المائة العام الماضي، وكذلك أشار التقرير المتعسف إلى أن الاقتصاد السعودي سينكمش بنسبة 0.9 في المائة، كما أشار تقرير صندوق النقد الدولي إلى أن الطلب على البترول سينخفض، وأن الأسعار ستهبط، بمعنى أن الصندوق يتوقع وضعاً غير مريح للاقتصاد السعودي في نتائج عام 2009.
ونحن إذا تابعنا التقارير التي تصدر عن صندوق النقد الدولي في السنوات الأخيرة نلاحظ أن التقارير لا تعبر عن الواقع، وأن أرقام الصندوق تذهب بعيداً عن الأرقام التي تسجلها الأسواق العالمية، وأنها لا تخلو من المبالغات والأخطاء المقصودة وغير المقصودة.
وفي مواجهة هذا التقرير المتشائم رد وزير المالية الدكتور إبراهيم العساف على تقرير الصندوق وقال (لا فض فوه) إن التقرير تشاؤمي أكثر من اللازم، وأكد أن لديه تحفظاً على التقرير, خصوصاً أن التقرير استند إلى إيرادات النفط فقط، وقال الوزير في معرض رده على تقرير صندوق النقد الدولي إن السعودية قدمت دلائل على خروجها من دائرة الانكماش بالتوسع في الإنفاق الحكومي بشكل لم يسبق له مثيل وإنه على عكس الصندوق متفائل جداً بمعدلات النمو في عام 2009.
وبقراءتنا الأرقام على أرض الواقع نجد أنها تؤكد صحة تقديرات وزير المالية السعودي، ولا ندري كيف وقعت في يد الصندوق نتيجة مفادها أن الطلب على البترول سينخفض رغم أن الصندوق أصدر بيانات يقول فيها إن الاقتصاد العالمي يحقق تقدماً على طريق التعافي من الأزمة المالية العالمية!
من ناحيته, أوضح وزير البترول والثروة المعدنية المهندس علي بن إبراهيم النعيمي أن سياسة المملكة في استثماراتها في مجال زيادة الإنتاج تتسم ببعد النظر ولا تتأثر بالاضطراب الذي ينتاب السياسات المتعلقة بالطاقة وأسواقها في الوقت الراهن، وقال في الكلمة التي ألقاها في الجلسة الثانية لاجتماع وزراء الطاقة في الدول الصناعية الثماني "إنه في الوقت الذي قام فيه البعض بتأخير استثماراته في قطاع الطاقة أو حتى إلغائها .. واصلت المملكة العربية السعودية تنفيذ استثماراتها في قطاعات التنقيب والإنتاج والتسويق والتكرير من أجل ضمان استمرار تدفق الإمدادات وتلبية الطلب المتوقع والمتزايد عندما يتعافى الاقتصاد العالمي من الأزمة التي بدأت أولى مراحل التلاشى، حيث توقع الوزير النعيمى ـ كما أشرنا ـ أن يشهد السوق العالمية للبترول صعوداً صاروخياً للأسعار بصورة مشابهة للصعود الذي شاهدناه عامي2007 و2008.
إن هناك أسباباً موضوعية لزيادة أسعار البترول وليست أسباباً وهمية أو تعسفية، فبعد انحسار مرحلة الانكماش ستشهد السوق مرحلة رواج بمعدلات سريعة، وستعقبها العودة ـ شيئاً فشيئاً ـ إلى ما كان عليه الاقتصاد الدولي قبيل اندلاع الأزمة المالية العالمية.
ولا شك فإن مرحلة الرواج ستشهد في بداياتها اندفاعات مصحوبة بتدفق واسع للموارد وبتحقيق معدلات عالية في النمو، وستصحبها زيادة ملحوظة في الطلب الكلي وبالذات الطلب على البترول الذي يأخذ كل السلع والخدمات إلى مستويات أعلى.
ودون الإفراط في التفاؤل، فإن أسعار البترول عام 2010 ستقع بين 80 و90 دولارا في تقدير بعض المراقبين المتخصصين، ولا سيما أن أسعار البترول لامست في هذه الأيام سقف 70 دولاراً بعد أن كانت قبل أربعة أشهر في قاع الـ 40 دولارا، أي أن أسعار البترول زادت خلال الأشهر الأربعة بنسبة تفوق 80 في المائة تقريبا.
ولذلك فإن المؤشرات على الأرض تؤكد ضرورة أن تتجاوب الدول الكبرى مع الدعوات التي أطلقها وزير البترول والثروة المعدنية المهندس علي النعيمي، لأنها ستمنع أسعار البترول من الوثوب إلى أرقام تضخمية ربما تلحق أضراراً بالغة ـ كما ذكرنا ـ بأسعار السلع والخدمات.
إن وكالة الطاقة الدولية ما فتئت تحذر الدول الكبرى من الإحجام عن تنفيذ برامج ومشاريع تنويع مصادر الطاقة وزيادة إنتاج الطاقة، وتناشدها بضرورة زيادة استثماراتها في البحث عن بدائل اقتصادية للطاقة، لأن البترول لا يستطيع أن يتحمل وحده عبء النمو والتنمية التي من المأمول أن تحققها اقتصادات الدول في السنوات القليلة المقبلة، وأنه ليس أمام الدول الكبرى والناشئة إلاّ البحث عن بدائل للطاقة تسهم جنباً إلى جنب مع البترول في تلبية الزيادات المتوقعة للطلب على الطاقة من أجل الاستمرار في تشغيل آلة وماكينة التنمية المستدامة في كل بلاد الدنيا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي