التحوصل الإداري العائق الأكبر للتنمية
يتناول هذا المقال ظاهرة التحوصل الإداري في العمل الحكومي، وهو أن كل جهاز حكومي ينكفئ على ذاته ويختزل مهامه في تحقيق أهدافه البيروقراطية الضيقة دون النظر للإسهام في المشروع الوطني التنموي وتوجيه الأداء بالتنسيق مع الأجهزة الأخرى في تحقيق الأهداف الوطنية والمصالح العليا للدولة، وهي ظاهرة تعطل المشروع التنموي والسبب الرئيس وراء أكثر المشكلات التي نعانيها في المجتمع. ولتوضيح هذه الظاهرة اخترت الحديث عن تطوير قطاع السياحة لأنه يمثل تجربة حية لغياب التنسيق والجهد المشترك. فالسياحة قطاع يتداخل فيه جميع مكونات المجتمع ونجاحه مرهون بدرجة تعاونهم وإسهامهم في تطويره. عدم إدراك هذه الحقيقة أدى إلى نشوء تفكير خاطئ في الأوساط الرسمية والشعبية في الربط بين الوضع السياحي في السعودية وأداء الهيئة العامة للسياحة والآثار. وهذا ربط غير منطقي وغير واقعي، إذ إنه ليس مبنيا على نظرة فاحصة ودقيقة وشاملة لجميع مكونات الحالة السياحية من جهة وعدم معرفة بطبيعة دور الهيئة كمهيئ ومنسق للعمل السياحي، وما قطعته من أشواط في هذا المجال من الإعداد التنظيمي والتهيئة العامة لتطوير السياحة وتصاميم المشاريع السياحية الوطنية منذ عدة سنوات إلا أنها مازالت تنتظر قيام الأجهزة الأخرى بدورها المكمل في التنمية السياحية. الكثيرون يلقون باللائمة على الهيئة في كثير من القضايا التي لا تدخل ضمن اختصاصاتها، تأتي في مقدمتها استراحات الطرق التي تمثل المظهر الحضاري والخدمة السياحية المباشرة، ومشكلة النقص الشديد في حجوزات الطيران بين المناطق، وتلك التي تتعلق بالخدمات العامة من طرق ومياه وكهرباء. هذه الخدمات وغيرها من أساسيات التطوير السياحي، إلا أنها خارج مسؤوليات الهيئة ولا تملك حيالها إلا وضع الخطط والإعداد المسبق والتواصل مع الجهات المختصة. ولذا بادرت الهيئة ومنذ اليوم الأول بخطوة رائدة إلى توقيع مذكرات تفاهم وتعاون مع الأجهزة الحكومية الأخرى لإدراكها أن لا مجال لتطوير السياحة دون تعاون الجميع في تحقيق المشروع السياحي الوطني. وهذا أمر يحسب للهيئة على الرغم من التهكمات التي واجهتها الهيئة حين شرعت في توقيع مثل هذه المذكرات التي لم تكن مألوفة من قبل مع أننا اليوم نجد أن أكثر الجهات تتبع النهج ذاته.
ما يستغرب أن تصدر انتقادات لاذعة وسلبية تجاه أداء الهيئة العليا للسياحة والآثار من بعض النخب الوطنية قياديين وأكاديميين وإعلاميين وكأن باستطاعة الهيئة في خضم بحر لجي من التشرذم والقصور الإداري والثقافة الاستهلاكية (لا ترى السياحة من منظور استثماري) أن تقوم بالمهمة وتحقق ما لم يحققه الأوائل. هؤلاء النخب من أصحاب القرار والرأي يفترض أن يكونوا أكثر إلماما بالواقع الإداري وأكثر حرصا على تقديم وجهة نظرهم بناء على حقائق ودراية بجميع جوانب القضية لا أن يكون طرحهم عاطفيا مؤججا بالمشاعر السلبية تتصيد فيه الأخطاء وتصطنع المغالطات وتخرج الأحداث والأنشطة من سياقها، وكأن القوم نذروا أنفسهم من حيث يدرون أو لا يدرون لمحاربة قيام قطاع السياحة وهو قطاع مفتوح على مصراعيه هش لا يحتاج لكثير جهد لمن شاء أن يستمتع بجلد الذات وتبيان العيوب والنواقص. هذه نتيجة طبيعية لعدم الرضا عن أداء البيروقراطيات العامة وتفشي ثقافة الركون للمعتاد ورفض كل جديد والخوف من خوض تجارب إبداعية لأن البعض ليس لديهم القدرة والرغبة في التطلع للمستقبل وتصوره والعمل من أجل تحقيقه. لكن القضية لا تتعلق بالانتقاد وحسب ولكن الانتقاد من أجل التطوير والتعرف على الأسباب الحقيقية ومعالجتها. لست هنا بصدد الدفاع عن الهيئة كجهاز إداري ولكن محاولة توضيح أن مشروعنا السياحي كشف عجزنا الإداري في العمل الحكومي المشترك فكل جهاز إداري منكفئ على ذاته منشغل بمشاكله اليومية غارق في العمل الروتيني الورقي غاب عنه التفكير في المستقبل وهكذا تتكرر الأخطاء ولا تتحقق الأهداف بسبب تقاذف الأجهزة الحكومية المسؤولية فيما بينها والحقيقة أنها جميعها مشتركة في هذا القصور لأن العمل الحكومي عمل تكاملي وتعاوني وعندما لا تقوم بعض الأجهزة بدورها على الوجه المطلوب يتسبب ذلك في إخفاقات متتالية لباقي الأجهزة.
السياحة مشروع وطني يتطلب تداخل الجميع دون استثناء، ولكن من أجل إنجاحه وليس إفشاله! لأن نجاح السياحة نجاح للوطن ليس اقتصاديا فحسب، ولكن في إثبات القدرة كمجتمع للتحول لأوضاع أفضل واستيعاب المتغيرات والتكيف مع المستجدات والبحث عن حلول مستدامة لمشكلاتنا. لم يعد ممكنا الاستمرار في النظر لقضايانا الوطنية من منظور جهوي ضيق أو جمود بيروقراطي أو أنانية شخصية مبنية على مغالطات وخلط الأوراق ونزعة نحو الانتقاد السلبي والتقليل من شأن ما تم إنجازه ووضع العراقيل والعقبات والصعوبات وتثبيط الهمم والوقوف موقف المتفرج. البعض يريد استعجال الأمور وأن تصبح السعودية الوجهة رقم واحد على مستوى العالم العربي ولربما العالم بين ليلة وضحاها وكأن الأمر لا يستلزم عمل الكثير ولا يتطلب وقتا وجهدا وموارد وأهم من ذلك تحولا ثقافيا واقتناعا كاملا بجدوى المشروع السياحي. ما زال هناك من لا يستطيع التفريق بين المقومات الطبيعية التي لا دخل لنا بها والمقومات الإدارية للسياحة التي تصنع الفرق ونستطيعه. كثير من إنجازات الدول مرهون بالإرادة السياسية والقدرة الإدارية والرغبة الشعبية. ولذا، إذا لم يكن هناك قناعة بجدوى السياحة على المستوى الرسمي والشعبي وتكاتف الجميع لتحقيقه لن نفلح إذاً أبدا. الأمر لا يحتمل أنصاف الحلول، فإما عمل متكامل وتنسيق تام بين الأجهزة الحكومية وجهد موجه نحو تحقيق السياحة وإلا فلا! إنشاء جهاز للسياحة والآثار في حد ذاته بادرة طيبة ولكن يجب الاعتراف بأن الهيئة مهما بلغت من مهنية عالية لن تستطيع بمفردها إنجاز المشروع السياحي الوطني. ما حققته الهيئة العليا للسياحة والآثار وإن خفي على الكثيرين أمر يستحق الثناء والإعجاب. فلقد استطاعت إعادة تثقيف المجتمع وإحداث نقلة نوعية وتأطير قطاع السياحة مؤسسيا وأصبحت هناك مرجعية للمعايير المهنية السياحية، هذه الجوانب المهمة الخفية لا يلحظها ولا يهتم بها من اعتادوا على العمل العشوائي دون التخطيط لما ينبغي عمله وكيف.
الإطار الزمني لنجاح المشروع السياحي طويل وشاق ولا يمكن توقع حدوث معجزة، فهذه أمنيات العاجزين! الأمر يستلزم اقتناع الجميع مسؤولين وعموما بجدوى السياحة وأهميتها الاقتصادية والثقافية والأمنية، وأنها تستحق الجهد والتكلفة لمواجهة كثير من الأزمات والتحديات التي تحاصرنا من كل حدب وصوب. الحديث هنا عن طريقة جديدة للتفكير في تناول القضايا العامة في جوهرها البحث عن حلول تطويرية والنظرة الجماعية والعمل المشترك وتحقيق المصلحة الوطنية والتخلي عن المصالح الضيقة سواء كانت جهوية أو محاولات فردية لإبراز الذات وحب الظهور بالتهكم والتقليل من إنجازات الآخرين. شيء مؤلم ومخجل أن تتحول القضايا الوطنية المهمة إلى معاملات بيروقراطية غير محسومة أو أطروحات سلبية في مقالات صحافية. تطوير السياحة وغيرها من القضايا التنموية يجب أن ترى من خلال المصلحة الوطنية العليا ولا يمكن تحقيقها في ظل التشرذم الإداري وغياب الرؤية الجماعية.