متى يخرج الاقتصاد الدولي من نفق الأزمة؟
حينما درسنا علوم الاقتصاد في كلية الاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز في جدة عرفنا أن الاقتصاد الدولي لا يسير دائماً في خط مستقيم، وإنما يمر بدورات اقتصادية بين الانكماش تارة والرواج تارة أخرى أو ما بينهما، وكان تقدير العلماء أن مدة كل دورة تقع بين عشرة إلى 15 عاماً.
ولكن مع التطورات التي حدثت في الاقتصاد الدولي ابتداء من الأسواق العالمية الكبرى والشراكات الاقتصادية، وكذلك التطورات المذهلة التي حدثت في التكنولوجيا ودخول الإنترنت وثورة المعلومات إلى عالم الاقتصاد والتجارة الدولية، فإن وتيرة النشاط الاقتصادي اتسمت بالسرعة الفائقة، وهذا بدوره أثر في مدة الدورات الاقتصادية واختزلها مع نهاية القرن الـ 20 إلى ما بين عشر وسبع سنوات بدلاً من 15 وعشر سنوات.
ولكن الجديد ونحن على مشارف طي العقد الأول من القرن الـ 21 أن الدورة الاقتصادية ربما تستغرق سنتين فحسب، بمعنى أن الدورات الاقتصادية أصبحت تحت سيطرة الضوابط الاقتصادية الدولية التي أضحت قادرة على لجم أسباب التضخم وأسباب الانكماش. ولذلك نستطيع القول إن الأزمة المالية العالمية التي واجهها الاقتصاد الدولي وما زال يقاوم كي يتخلص منها.. باتت تحت السيطرة وإن القضاء عليها سيستغرق زهاء السنتين فقط بدلاً من السنوات السبع العجاف.
ويبدو أن المجتمع الدولي نجح بامتياز في السيطرة على أسباب الأزمة، وأن الدول والتكتلات الاقتصادية الدولية سجلت أعلى درجات التعاون الدولي للحيلولة دون بلوغ الأزمة الأسوأ، هذه المواجهة العالمية الواسعة الأرجاء جعلت دورة الانكماش تنكمش في أصغر مساحة ممكنة، ولتبدأ بعد ذلك مرحلة الخروج من الأزمة.
ومعنى هذا أن الاقتصاد الدولي سيبدأ مرحلة الخروج من الأزمة مع تباشير عام 2010، وإذا قيل لنا ما الأدلة التي تقول إن الاقتصاد العالمي سيبدأ الخروج من الأزمة المالية العالمية نقول هناك عديد من المؤشرات المبشرة ومنها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ تحسن أسعار النفط وتحسن أداء الأسواق المالية وأسواق الأسهم الكبرى، فقد سجل مؤشر الأسهم البريطاني الرئيس فوتسي 100 نقطة مرتفعاً 2.5 في المائة، وداكس في ألمانيا مرتفع بـ 1.3 في المائة، وكاك في فرنسا مرتفعاً بـ 1.7 في المائة، وبدا مؤشر داو جونز في "وول ستريت" مرتفع بـ 0.1 في المائة في الأسبوع الماضي، وفي آسيا شهدت الأسهم اليابانية في بورصة طوكيو ارتفاعا هو الأعلى خلال ستة أشهر، حيث ارتفع مؤشر نيكي القياسي 408.33 نقطة أي بنسبة 4.55 في المائة، ومن المؤشرات الإيجابية التي يسجلها الاقتصاد الدولي على طريق الخروج من الأزمة العالمية أن عدداً كبيراً من البنوك والشركات العالمية حققت أرباحاً، وعلى سبيل المثال ارتفعت أرباح بنك باركليز البريطاني إلى 15 في المائة في الربع الأول، وكذلك من المؤشرات الإيجابية تراجع غير متوقع في مطالبات تعويض البطالة في الولايات المتحدة، ومن المؤشرات المهمة أيضاً أن قوة التحمل لـ 19 بنكاً أمريكياً وصلت إلى المستويات الطبيعية في الأسبوع الماضي، ومعنى قوة التحمل أن قوة مقاومة البنوك الأمريكية للضغوط أصبحت في المعدلات المطلوبة، ولاسيما أن بعض هذه البنوك كان على وشك الإفلاس والانهيار، ولكن الآن أصبح لدى هذه البنوك وغيرها المال الكافي للتعامل مع الركود، بل تبين نتائج الاختبارات التي كانت أكثر إيجابية مما توقعه كثير من المستثمرين إن البنوك لديها احتياطيات كافية لتغطية رأس المال.
وإذا كان البعض يقول إننا مازلنا في بداية الطريق ويجب ألا نفرط في التفاؤل، فهذا صحيح، ولكن التفاؤل في حد ذاته هو علاج للأزمة، لأن جانباً كبيراً من الأزمة المالية جاء بسبب الإفراط في التشاؤم الذي ساد الأسواق العالمية، وما زالت الإشاعات المغرضة تعرقل وتبطئ عمليات الخروج من الأزمة بالسرعة المطلوبة.
ولذلك فإن القول إننا يجب ألا نفرط في التفاؤل تحتاج إلى تقنين، لأن التفاؤل ـ كما أسلفت ـ جزء من الحل الذي تحتاج إليه الأسواق، أمّا نشر الإشاعات والتشاؤم في الأسواق وفي أندية رجال المال والأعمال، فإن تأثيره سيكون سلبياً في طريق الخروج من الأزمة بالسرعة التي نتمناها جميعاً.
وما يجب أن نعيه جيداً هو أن الأزمة بدأت أمريكياً، ثم انتشرت كالوباء وألحقت أضراراً بالغة بكل اقتصادات العالم، ولذلك فإن أزمة كهذه يجب ألا تمر مرور الكرام، ولا بد من تحقيقات تصل إلى المتسببين، ولا بد من أن ينال المتسبب العقاب الرادع حتى لا تدفع جميع الدول ثمن أزمة لم ترتكبها، وحتى لا يتورط الاقتصاد العالمي ـ في المستقبل ـ في أزمة أو أزمات ويدفع الجميع الثمن دونما ذنب اقترفوه.
وإذا كانت مجموعة من التنفيذيين في الولايات المتحدة ثم في الاتحاد الأوروبي هم الذين استباحوا أموال البنوك وغرفوا من خزائنها ما شاء لهم أن يغرفوا، فإن القرار الذي اتخذه مجلس الشيوخ الأمريكي أخيرا بتشكيل لجنة خاصة للتحقيق في أسباب الأزمة سيريح الجميع ولا سيما إذا وصلت التحقيقات إلى الأشخاص الذين تسببوا في اندلاع حريق الأزمة التي كادت تدخل العالم في كارثة تدمر حضارته الإنسانية التي بناها في 100 عام وأكثر.
وسؤال مهم: لماذا نحن نهلل للخروج من الأزمة العالمية؟
إن دول مجلس التعاون الخليجي واجهت الأزمة ـ حتى الآن ـ بتدابير جعلت الآثار السلبية في الاقتصادات الخليجية في أدنى مستوياتها، بل إن بعض القطاعات لم تصلها آثار الأزمة بعد، ولكن إذا استمرت الأزمة ـ لا سمح الله ـ لفترة أطول، فإنها ستؤثر سلباً في كل أرجاء الاقتصاد الخليجي الذي يعتمد أساساً على إيرادات النفط، أمّا التعافي من الانكماش، ثم العودة إلى معدلات النمو الطبيعية، فإنها ستحسن من أداء الاقتصاد، وستعيد أسعار النفط إلى معدلاتها الطبيعية، وستعيد كل مواطن خليجي إلى منطقة التوازن الاقتصادي وتدفعه بكل ثقة إلى الدخول في مشاريع مستقبلية تحقق له الأرباح ولا تعرضه إلى خسارات.
وهكذا يتضح لنا أهمية اهتمام كل الخليجيين، بل كل مواطن في هذا الكوكب بالأزمة والخروج منها.