رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


في سوق توصيات الأسهم: هل أوصت ليقال صدقت؟

نتذكر قبل سنة التوصيات الهائلة لشراء سهم "سابك" – فقط – وأن القيمة العادلة له أكثر من سعر السوق. بدأ السهم بالصعود استجابة لهذه التوصية. أمر طبيعي فقد كان هناك تعاون لرفع السعر من الشركة الموصية وهي في العادة صندوق استثماري, إضافة إلى مجموعة هائلة من المضاربين الذين لم يعد أمامهم من خيار سوى ركوب الموجة. صعد السهم حتى لامس السعر العادل الجديد بسرعة أكبر من توقعات الشركة الموصية. لم يكن هناك صعوبة فنية ولا قانونية أن تعلن عن سعر جديد أعلى. وهكذا حتى قفز سعر السهم وفي غضون أيام معدودة إلى أكثر من 120 في المائة من سعره قبل التوصية. كل هذا تم في الوقت الذي كان التحليل الأساسي لشركة سابك يقدم العكس والتحليل الفني ينذر بعواقب وخيمة ولكن الكلمة اليوم هي لأعلام التوصيات فقط.
لقد تغيرت السوق. في الماضي كانت مثل التوصيات محدودة الانتشار ويدفع مقابلها مبالغ كبيرة بل إن هناك مسؤولية جسيمة تجاهها ولذلك لم يكن يجرؤ عليها إلا القليل من المؤسسات العريقة لأنها تتطلب دراسة وخبرات مكلفة. لم تعد هذه المؤسسات في حاجة اليوم إلى عوائد مباشرة لتوصياتها طالما أن السوق نفسها سيكافئها على تلك التوصيات بشراء السهم والنظام نفسه يكافئها لأنه يجب عليها عند التوصية أن تكون مستثمرة في السهم. هل هناك أفضل من هذا الوضع. أن تعلن أن السعر العادل لأي شركة هو أعلى من سعر شرائك لها ثم يندفع الناس للشراء بناء على توصيتك لتقوم بالتصريف المنظم. ما الحاجة إلى الدراسات وما الحاجة إلى المسؤوليات تجاه كبار المستثمرين طالما أن السوق نفسها لا تعاقب على الخطأ.
التسوق وفقا لرأي إعلام التوصيات هو سيد الموقف في سوق الأسهم اليوم. لذلك فإن أهم تحليل هو تحليل الإعلام وتأثيراته. لم تعد دراسات كفاءة السوق مهمة عندما يروج الإعلام لمفاهيم السعر العادل ولذا فإن تتبع سلوك المضاربين تجاه إعلام التوصيات سيكون أمرا في غاية الأهمية وسيحدد ملامح الفترة المقبلة فعلا. لكن الأهم هو معرفة متى يبدأ الإعلام في الترويج لمفاهيمه نحو السوق ومن الذي يسيطر على إعلام التوصيات الموجه لسوق الأسهم وكيف يستفيد من هذه السيطرة؟ هل هناك أنظمة رادعة لمثل هذه السلوكيات إن هي حدثت فعلا؟
بهذا تختلف أسواق الأسهم اليوم عنها قبل عشر سنوات مضت ليس من حيث الحجم ولا الأدوات ولكن للتأثير البالغ الذي يلعبه الإعلام. قبل سنوات عدة كنا نناقش مفاهيم كفاءة السوق من حيث قدرتها على عكس المعلومات سواء التاريخية أو الجارية. في كل دراسة ناقشت هذه الظاهرة ظهرت مشكلة في البحث فهي تغفل وعن قصد أدوات نقل المعلومة وتضطر لتفسر النتائج بعيدا عن تأثيرها. نحن ندرس كفاءة السوق السعودية مثلا كما ندرس السوق الأمريكية مفترضين أن أدوات نقل المعلومات – بمختلف صورها – واحدة وذات سرعة واحدة في كلتا السوقين. لإتمام البحث (وهو هم الباحث) لامناص من هذا الفرض غير المنطقي وإلا فإنه من الصعب تفسير نتائج البحث أو مقارنتها. القضية الأشد تعقيدا, إننا كباحثين اقتصاديين نعمل بمعزل عن الباحثين الإعلاميين في قياس مثل هذه التأثيرات وفهم أبعادها. إننا نتعامل مع أسواق حديثة ومتطورة جدا وجميع الفرضيات التي تم بناؤها في الماضي قد لا تناسب العصر الحاضر. من الصعب بل من المستحيل أن نقول إن السوق السعودية اليوم تسير بالنمطية نفسها التي سارت بها قبل عشر سنوات من الآن، من الصعب اليوم القبول بفكرة الموجات الاقتصادية في ظل تأثير الإعلام الخطير – بكل صوره ومنها الإنترنت وحتى الجوالات - والذي يصر على توجيه فكر المتسوق (المضارب) في سوق الأسهم وفي غيرها ويتلاعب بقرارات المستثمرين رافعا شعار (يرى الخبير). في السابق كان الخبير الفني يحلل وفقا لمناذج تفترض نمطية سلوك السوق وأنه يمكن تتبع اتجاهاتها والقياس عليها وهي الثغرة العلمية نفسها في بحوث كفاءة السوق – أي إنها تتجاهل عامل الزمن ومنحنى الخبرة وكذلك تتجاهل (وعن قصد) تأثير طريقة نشر الخبر على سلوك المستثمر. هذا التجاهل ليس اختيارا بل قدرا فإن هي أخذت في الحسبان مثل هذا التأثير والذي لا يمكن قياسه – بسهولة – فإن النتائج ستكون لا معنى لها.
لكن هذا ما وصلنا إليه فنتائج التحليل سواء الفني أو الأساسي لم يعد لها معنى أمام الأخبار الإعلامية الخطيرة والقوية التي توصي بشراء السهم لأن الشركة (الفلانية) أوصت به. هذا الخبر الإعلامي أصبح اليوم قادرا على الانتشار بصورة خيالية لا يمكن تصديقها قبل عشر سنوات. وبرغم أن التوصية بالشراء سلوك قديم في أسواق المال لكن انتشارها وتأثيرها ليس كمثله اليوم. ما السهم الذي سيصمد أمام عمليات البيع إذا انتشرت عبر وسائل الإعلام والجوالات توصية ببيعه بحجة أنه مقيم بأعلى من السعر العادل (؟). والسؤال الأبرز لماذا تقدم هذه الشركات مثل هذه التوصيات مجانا إلى السوق؟ هل لأجل أن يقال صدقت؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي