رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إصلاح سياسات تسعير الطاقة

اعتمدت المملكة على عدد من الاستراتيجيات الأساسية لدعم الحركة التنموية ورفع مستويات المعيشة لسكان المملكة من مواطنين ووافدين. ومن ضمن هذه الاستراتيجيات المتبناة منذ فترة طويلة من الزمن سياسة خفض أسعار الطاقة. وعوض دعم أسعار الطاقة من انخفاض القدرة التنافسية للقطاعات الاقتصادية المحلية خصوصاً في بداية مراحل التنمية. وكان الهدف من الدعم خفض تكاليف المدخلات مما أسهم في رفع ربحية القطاعات الإنتاجية وجذب التقنية والاستثمارات الأجنبية وحفز تراكم الاستثمارات الرأسمالية. وقد نجحت هذه الاستراتيجية بقوة في دعم حركة التنمية الاقتصادية كما نجحت في خفض تكاليف المعيشة لجميع سكان المملكة. وانتشرت آثار دعم أسعار الطاقة في كافة القطاعات الاقتصادية مخفضةً تكاليف الإنتاج التي تتحملها الصناعات الوطنية والقطاعات الاقتصادية الأخرى كالزارعة والتجارة والنقل والمواصلات والسياحة. وأسهمت ترتيبات أسعار الطاقة الخاصة لقطاعي توليد الكهرباء وتحلية المياه في خفض أسعار منتجات هذين المرفقين الأساسين مما خفض من تكاليف الإنتاج والمعيشة. وفي تقديري فإن تثبيت أسعار الطاقة عند المستويات المنخفضة في عام 2007 وعند الأسعار العالمية للنفط التي كانت سائدة في ذلك العام قد أدى إلى خفض عام لتكاليف إنتاج السلع والخدمات في المملكة بما يقارب 20 في المائة. وقد أسهم هذا الخفض في دعم قدرة الصناعات الوطنية على منافسة الصناعات الأجنبية في داخل المملكة وخارجها. كما أدى خفض أسعار الطاقة إلى خفض تكاليف المعيشة بنسبة لا تقل عن 15 في المائة. وفي المقابل، تولد عن الدعم الكبير لأسعار الطاقة تزايد معدلات استهلاكها بمعدلات قوية تهدد الإيرادات الحكومية كما تخفض قيمة صادرات المملكة من الطاقة والتي تشكل معظم صادرات المملكة. وأدى تزايد الاستهلاك المحلي السريع لبعض منتجات الطاقة إلى تولد عجز في تلبية الطلب المحلي مما اضطر المملكة إلى استيراد بعض من هذه المنتجات وبأسعار عالمية مرتفعة وبيعها بأسعار مخفضة. وضاعف استيراد بعض المشتقات النفطية من تكاليف دعم منتجات الطاقة وأساء إلى ميزان المدفوعات الخارجية. كما نتج عن تدني أسعار منتجات الطاقة في المملكة مقارنةً بالدول المجاورة تسرب (تهريب) المنتجات النفطية لهذه الدول ولا يعرف حجم هذا التسرب وإن كان يؤمل بأن يكون محدوداً. وأدى خفض أسعار الطاقة إلى ازدياد تركز الصناعات عالية الاستخدام للطاقة، وسيزداد هذا التركيز مع استمرار وضمان انخفاض أسعار الطاقة في المستقبل مما سيخفض من منافع إنتاج الطاقة في المملكة ويحولها لمصلحة هذه الصناعات ويضخم دخول ملاكها ويفاقم من مستويات التلوث البيئي الذي تتسبب فيه هذه الصناعات. وسيساهم خفض أسعار منتجات الطاقة في نمو الإسراف في استخدامها ويرفع بقوة من معدلات كثافة استهلاك الطاقة للناتج المحلي التي تعتبر مرتفعة في الوقت الحالي، وسيرفع من حصة الطاقة المستهلكة محلياً إلى الإنتاج ويخفض بدرجة متزايدة من حجم صادرات الطاقة ما لم يتم إضافة موارد طاقة إضافية تفوق المستهلك محلياً. وتمثل صادرات الطاقة معظم صادرات المملكة كما أنها توفر للمملكة وسكانها مستوى معيشياً جيداً، ومن دونه لا سمح الله ستتراجع هذه المستويات إلى معدلات متدنية. فهل من مصلحة بلدنا الحبيب الاستمرار في رفع معدلات استهلاك الطاقة بمستويات النمو الحالية؟ وهل من حق الجيل الموجود حالياً التصرف في الثروة النفطية كيفما يشاء وإهدار جزء كبير منها أم أن الأجيال القادمة تشارك في ملكية هذه الثروة؟ وأعتقد أنه ليس بإمكاننا الاستمرار من الناحية العملية ولا المنطقية في رفع معدلات استهلاك منتجات الطاقة القابلة للنضوب بالمعدلات التي حدثت نفسها خلال العقود الماضية، كما أنه ينبغي علينا تبني السياسات التي تضمن حقوق الأجيال المقبلة.

لقد تبنت المملكة عددا كبيرا من الاستراتيجيات خلال مراحل التنمية السابقة وأجرت عليها ما يلزم من تعديلات في ضوء التغيرات التي طرأت على مسيرة البلاد الاقتصادية. وسبق أن تبنت المملكة ولسنوات طويلة دعم زراعة القمح وحتى تصديره. وعندما تبين ارتفاع تكاليف دعم القمح الاقتصادية تم التخلي أولاً عن سياسة دعم صادراته ثم تم أخيراً التخلي كلياً عن سياسة دعم إنتاجه.

إن سياسة أي نوع من أنواع الدعم في أي مجال تبدو جميلة وخصوصاً إذا توافرت الموارد المالية لدى الدولة ولم يتحمل المواطنون عبء هذه السياسة. وفي بداية تطبيق سياسات الدعم يتم التغاضي عن آثارها الجانبية السيئة والتشوهات المترتبة عليها سواءً في مجال الاستهلاك أو الإنتاج أو توزيع الدخول وذلك بسبب الدعم القوي من أصحاب المصالح الخاصة المستفيدة بالدرجة الأولى من هذا الدعم. وبعد مرور فترة من الزمن وبعد تفاقم التشوهات وتعاظم آثار الدعم الجانبية التي تتجاوز في كثير من الأحيان المكاسب المتحصلة من هذا الدعم، تبدأ حركة تصحيح لسياسات الدعم التي قد تتسبب في إحداث مصاعب اقتصادية وسياسية جمة. إن هناك حاجة ماسة إلى إعادة النظر في سياسة دعم استهلاك منتجات الطاقة والتي تتسبب في تشوهات اقتصادية في مجالات الاستهلاك والإنتاج وتوزيع الدخل كما تسبب فقدان إيرادات مالية كبيرة تتجاوز المائة وعشرين مليار ريال عند مستويات الأسعار العالمية الحالية للنفط التي تتجاوز الستين دولاراً للبرميل. كما أنها تقود إلى إهدار جزء كبير من أكبر موارد البلاد الاقتصادية وتساهم أيضاً في الإساءة إلى البيئة من خلال رفع مستويات التلوث البيئي إلى مستويات غير مقبولة، وستتفاقم معضلات التلوث البيئي مع مرور الوقت وستتضرر الأجيال القادمة بشكل أكبر من هذا التلوث. ولا ينبغي أيضاً تجاهل مساهمة سياسة خفض الأسعار في ردع وتثبيط تطوير وسائل الطاقة البديلة للنفط والغاز، حيث تؤدي الأسعار الحالية لمشتقات النفط والغاز الطبيعي في المملكة إلى انخفاض جدوى تطوير وسائل الطاقة الأخرى كالطاقة الشمسية المتوافرة بكثافة في المملكة، وتصعب من استغلال الطاقة النووية والطاقة المتولدة عن الرياح أو أمواج البحر أو وسائل أخرى وتجعلها مرتفعة التكاليف، وبهذا تتخلف المملكة عن ركب الدول الأخرى في مجالات توليد الطاقة البديلة وتعتمد بشكل كلي وبصورة مستمرة على النفط والغاز.

إن تسعير منتجات الطاقة المتبع حالياً لا يبدو معظماً للمنافع الاجتماعية طويلة الأمد وأعتقد أنه حان الوقت لإجراء إصلاحات على هذه السياسات، وعلى كل حال فإن هذا مجرد رأي شخصي وقرار إصلاح سياسات تسعير الطاقة أمر متروك للمجتمع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي