أسعار النفط والاستثمار في تطوير مشاريع جديدة
لقد تطرقنا في مقالات سابقة على تداعيات الانخفاض الحاد في أسعار النفط نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية على مستوى تكاليف تطوير وتشغيل الحقول النفطية، وتأثير جميع هذه العوامل في الإمدادات النفطية من المنتجين من خارج منظمة الأقطار المصدرة للنفط Non-OPEC، وخصوصا على المدى القصير, حيث تم إعطاء نظرة مفصلة على مستوى الإنتاج في عام 2008 والتوقعات المستقبلية للعامين المقبلين، موضحين التغييرات التي أدخلتها الدراسات والتحاليل في هذا المجال على توقعاتها السابقة نتيجة الأزمة المالية وهبوط أسعار النفط. في هذا المقال سيتم دراسة أثر أسعار النفط الحالية على الاستثمار في تطوير مشاريع جديدة وما هي تداعياتها على مستقبل هذه الصناعة الحيوية في ديمومة عجلة التطور العالمي والنمو الاقتصادي.
إن ارتفاع أسعار النفط بين عام 2003 وحتى منتصف عام 2008 عكس حالة جيدة جدا من النمو الاقتصادي العالمي لم يشهدها العالم منذ أكثر من قرنين. حيث ازداد الطلب على النفط زيادة كبيرة وبصورة خاصة في البلدان النامية وبالتحديد الصين والهند ودول الخليج، وفي الوقت نفسه ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية لم يشهدها العالم من قبل لعدة عوامل لا مجال للحديث عنها في هذا المقال. هذه التطورات في أسواق النفط حفزت الشركات النفطية العالمية والوطنية على زيادة الاستثمار لتطوير حقول نفطية جديدة, وكذلك لإدامة الإنتاج من الحقول المنتجة حاليا، وذلك لسد حاجة السوق المتزايدة على النفط ولتحقيق أرباح إضافية.
ولكن بعد مرور نحو عشرة أشهر على الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمعظم دول العالم وخصوصا الصناعية وانخفاض أسعار النفط انخفاضا حادا، ماذا سيكون عليه مستوى الاستثمار في تطوير حقول نفطية جديدة في ظل الأسعار الحالية للنفط، وما تداعياتها على مستقبل الإمدادات النفطية؟ وماذا سيكون رد فعل الصناعة النفطية؟
الاستثمار في تطوير مشاريع جديدة هو أحد أهم العوامل الرئيسية التي تلعب دورا كبيرا في تحديد مستوى أسعار النفط خلال السنوات الخمس المقبلة. على وجه الخصوص، سيكون لرد فعل الشركات النفطية في خفض النفقات الرأسمالية في أعقاب هبوط أسعار النفط دور مهم في تحديد مستقبل تطوير طاقات إنتاجية جديدة. حيث إن قرارات الاستثمار التي تتخذ اليوم سوف تكون لها تداعيات كبيرة على مستوى الإنتاج العالمي للنفط على المدى المتوسط. من بين العوامل التي تؤثر في قرارات الاستثمار في تطوير المشاريع الجديدة وبالتالي في مسار النمو في الطاقات الإنتاجية المستقبلية للنفط هي: التوقعات بشأن مستقبل أسعار النفط, وتكاليف تطوير وتشغيل الحقول النفطية، وحجم واقتصاديات المشاريع.
إن قرارات الاستثمار لأي شركة مرتبطة بالتوقعات المستقبلية للمردود الاقتصادي للمشروع، والتي بدورها تعتمد على توقعاتها لأسعار النفط في المستقبل. وهذه الأخيرة مرتبطة بتكاليف تطوير وتشغيل الحقول النفطية. على سبيل المثال إذا كانت أسعار النفط المتوقعة بحدود 80 دولارا للبرميل الواحد، الصناعة النفطية سوف تستثمر في مشاريع ذات تكلفة قصوى في حدود 70 دولارا برميل، بينما إذا كانت أسعار النفط بحدود 50 دولارا للبرميل الواحد فإن الصناعة النفطية سوف تستثمر في مشاريع ذات تكلفة قصوى في حدود 40 دولارا برميل أو أقل.
إضافة إلى ذلك هناك فارق زمني بين توقعات أسعار النفط وتكاليف التطوير. حيث إن المشاريع النفطية عادة ما تتطلب استثمارات رأس مالية كبيرة خلال عمليات التطوير قبل أن يبدأ المشروع بتحقيق عوائد مالية. علاوة على ذلك، كلف التطوير الحالية والمتوقعة على المدى القصير هي الأخرى تلعب دورا رئيسيا في صنع القرار، لا سيما إذا كان الانخفاض في تكاليف التطوير متوقعا، حيث ستعمد الشركات إلى إرجاء قرار الاستثمار في الوقت الحالي.
في الوقت الحاضر، الطاقات الإنتاجية الحالية، إضافة إلى طاقات الحقول النفطية التي من المحتمل أن يتم تطويرها خلال السنوات الخمس المقبلة، تعتبر كافية لتلبية الطلب المحتمل على النفط في الأجلين المتوسط والطويل، هذا إذا تم إقرار الاستثمارات المطلوبة لتطويرها في الوقت المناسب. إلا أن انخفاض أسعار النفط قد يؤدي إلى خفض الاستثمارات وبالتالي تقليل نمو الطاقات الإنتاجية خلال السنوات القليلة المقبلة.
وبالفعل وتيرة النمو في المشاريع النفطية العالمية انخفضت بصورة كبيرة، حيث إن نحو 4.0 مليون برميل يوميا من الإنتاج، التي كان من المتوقع أن تكون في الأسواق بحلول عام 2013 قد أرجئت حاليا حسب معظم التوقعات. كما أن المزيد من المشاريع النفطية الأخرى من المتوقع أن تتأخر أو قد تلغى في الأشهر القليلة المقبلة، إذا بقيت أسعار النفط عند المستويات الحالية. هذا فقط من المنتجين من خارج منظمة الأقطار المصدرة للنفط Non-OPEC. على سبيل المثال وتيرة النمو في مشاريع الرمال النفطية الكندية قد انخفضت بصورة كبيرة، وإن أكثر من 600 ألف برميل يوميا من الإنتاج، التي كان من المتوقع أن تكون في الأسواق بحلول عام 2013 قد أرجئت حاليا. هذا إضافة إلى مشاريع أخرى في كل من روسيا، البرازيل، خليج المكسيك في الولايات المتحدة US Gulf of Mexico، كازاخستان، بحر الشمال وغيرها.
أما بخصوص المنتجين من منظمة الأقطار المصدرة للنفط OPEC، فإن الحال ليس بمختلف كثيرا، حيث إن دول المنظمة تواجه حاليا خفضا كبيرا في الإنتاج مقارنة بعام 200، وذلك لانخفاض إنتاجها نتيجة الامتثال لحصص الإنتاج، وفي الوقت نفسه دول المنظمة مستمرة في الاستثمار لإضافة طاقات جديدة, ما أدى إلى ارتفاع الطاقة الإنتاجية الفائضة Spare Capacity لديها لمستويات لم تشهدها منذ عام 2002, حيث إن الطاقات الإنتاجية الفائضة في أقطار المنظمة تقدر حاليا بأكثر من 6 ملايين برميل في اليوم، حسب مصادر المنظمة. ونتيجة لذلك فإنه من المحتمل جدا أن تراجع دول المنظمة خطط الاستثمار في الطاقات الإنتاجية وخصوصا على المدى القريب والمتوسط. وحسب تصريحات الأمين العام للمنظمة في أكثر من مناسبة أخيرا، أن الدول الأعضاء في المنظمة لديها نحو 35 مشروعا جديدا سيتم تأجيلها إلى ما بعد عام 2013.
على الرغم من ذلك، فإن زيادة الطاقة الإنتاجية النفطية العالمية سوف يستمر في المدى القريب والمتوسط، ولكن سيكون أبطأ بكثير مما كان متوقعا سابقا. في الحقيقة سوف يكون تأثير تداعيات انخفاض أسعار النفط أكبر في المدى المتوسط منه في المدى القريب، وذلك لكون المشاريع التي تم بدء عمليات التشييد بها والتي من المتوقع أن تبدأ بالإنتاج أو بدأت فعليا سوف تستمر. ونتيجة لذلك من المتوقع أن تشهد أسواق النفط العالمية أزمة في الإمدادات النفطية Supply crunch، خصوصا من المنتجين من خارج منظمة الأقطار المصدرة للنفط Non-OPEC، بحلول عام 2012 أو 2013 وارتفاع بأسعار النفط إلى مستويات قياسية مشابهة لتلك التي شهدتها الأسواق العالمية منتصف عام 2008.
بالنتيجة، إن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية له تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي وعلى الطلب العالمي على النفط، كذلك انخفاض أسعار النفط انخفاضا حادا له نتائج سلبية على الاستثمارات في المشاريع النفطية وبالتالي على نمو الإمدادات النفطية في المستقبل. لذلك وجود أسعار نفط عادلة سيعود بالفائدة على المستهلكين والمنتجين على حد سواء. اليوم معظم المعنيين في الصناعة النفطية على قناعة تامة بأن أسعار النفط التي تشجع الاستثمار في المشاريع الجديدة وتضمن نموا في الإمدادات وفي الوقت نفسه لا تؤثر في النمو الاقتصادي والطلب على النفط تراوح بين 70 و80 دولارا للبرميل الواحد.