ربما تعزز الأزمة "صداقة" البشر مع البيئة!
" لقد غيرنا بيئتنا بصورة متطرفة, وجب علينا الآن أن نغير أنفسنا للتوافق مع هذه البيئة الجديدة"
العالم والمؤلف الأمريكي نوبرت وينير
ضاعت قضية البيئة والمخاطر التي تحيق بها، في زحمة الرعب البشري من الأزمة الاقتصادية العالمية، على الرغم من أنها لم تكن ضمن الأولويات الدولية، بالصورة التي تتوازى مع أهميتها وحجمها، وقبل هذا وذاك، لم يكن الاهتمام بها بمستوى التخريب البيئي المتعمد وغير المتعمد. ومع ذلك ظلت البيئة والقضايا المرتبطة بها، حاضرة في بيانات السياسيين في الغرب، ومخططاتهم المأمولة الكثيرة، والفعلية القليلة، لأنها تمثل عاملا انتخابيا، دون أن تخرج عن إطارها النخبوي. وهنا مركز الخطر، لأن البيئة – ربما- هي القضية الوحيدة التي لا يجب أن تخضع للمعايير النخبوية، بل ينبغي أن تكون جزءا أساسيا من الهم العالمي. وعلى الرغم من تقهقر البيئة بتغييراتها المناخية، والتلوث، والاستهلاك غير المنضبط، والتخلف البيئي، ضمن دائرة الحلول التي يضعها العالم للأزمة الاقتصادية، إلا أن الأزمة نفسها شكلت نوعا من الأمل – عن غير قصد طبعا- على صعيد علاج الأزمات البيئية.
وقبل أن نتناول هذا الجانب المهم، من الضروري استعراض الحالة البيئية العالمية، دون نسيان الإشارة إلى دور الدول الكبرى أولا، والصغرى ثانيا، في عملية تدمير البيئة، وفشل المحاولات الجادة للحد من عملية التدمير. إن التغييرات المناخية لها آثار مدمرة على الاقتصاد العالمي، قد تفوق الآثار التي سببتها الحربان العالميتان، خاصة في الدول الفقيرة، وتصل تكاليف مواجهة آثار هذه التغييرات إلى ما بين 5 و20 في المائة، من إجمالي الدخل لمختلف دول العالم سنوياً. وطبقا للمنظمات الدولية المهتمة بالبيئة ، فإن الاحتباس الحراري يخلق أمراضا جديدة، ويحول أمراضا عادية إلى قاتلة، تتسبب في وفاة أكثر من 150 ألف شخص سنويا حول العالم. أما على صعيد نقص المياه – ونحن دائما نتحدث على المستوى العالمي – فإن أكثر من 23 ألف إنسان، يموتون يوميا بسبب شح المياه النقية. بينما يفتقر قرابة الـ 1,5 مليار شخص لمصادر المياه النقية. والحال لا يتوقف عند هذه الحدود. فهناك نحو ستة آلاف طفل يموتون يوميا في الدول النامية، بسبب الأمراض الناجمة عن المياه الملوثة المتوافرة لديهم. وفي بعض البلدان تراوح التكلفة الصحية الناجمة عن المخاطر البيئية بين 1.2 و3.8 في المائة من إجمالي الناتج الوطني.
إن أنانية بعض الدول – ولا سيما الكبرى منها - السائدة على الساحة، قضمت الكثير من الجهود، والتفت حول الحركة النزيهة الهادفة لحماية البيئة العالمية ككل. فقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة خسائر اقتصادية عالمية فادحة بسبب التغيرات المناخية الناتجة عن ظاهرة الاحتباس الحراري، والتي عمت نتائجها لتصيب كل شبر على سطح الكرة الأرضية. ففي عام 2003 ضربت أوروبا موجة حر شديدة لم تشهدها منذ 500 عام، ألحقت خسائر وصل حجمها إلى 17 مليار يورو. أما في عام 2004 فقدرت الخسائر الناجمة عن التغييرات المناخية، بـ35 مليار دولار أمريكي تحملت الولايات المتحدة الأمريكية وحدها 26 مليار منها، إلى جانب خسائر شركات التأمين التي قدرت بـ 115 مليار دولار، منها 65 مليارا حصة أمريكا، و35 مليارا الحصة الأوروبية ونحو 15 مليار دولار حصة اليابان. ليس هذا فقط، فالخسائر الاقتصادية تصل إلى مليار يورو، إذا ما ارتفعت درجة حرارة الكرة الأرضية درجة مئوية واحدة فقط!. هذا هو حال العالم في الوقت الراهن. ولا توجد في الأفق أية مؤشرات تدل على أن الكرة الأرضية ستشهد نوعا من الانفراج على الصعيد البيئي.
أين مكاسب البيئة من الأزمة الاقتصادية العالمية؟ في فترات الأزمات المالية, يفكر الناس عدة مرات، قبل أن ينفقوا أموالهم على منتجات الترف ووسائل الراحة, والبيئة هي واحدة من تلك الأشياء التي يمكن اعتبارها أحد منتجات الترف، حيث تتبدل الأولويات في لحظة، عندما يتعلق الأمر بغريزة البقاء. وفي بريطانيا، كان اللورد ستيرن "أوف برينتفورد"، واحداً من أولئك الذين أعربوا عن قلقهم من المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها البيئة ولاسيما التهميش، في حين تلقى القضايا الأخرى مثل الاقتصاد اهتماماً أكبر. فعندما يلجأ الأفراد إلى خفض نفقاتهم، يقللون على الأرجح استخدام ضمائرهم، ويبحثون عن آفاق بقائهم كأفراد. تؤثر البيئة في الجميع، ولكن آثارها المدمرة لا تؤثر في أولئك الذين يدمرونها بشكل متناسب. فالمطر الحامضي على سبيل المثال يسقط غالباً في مناطق أخرى، وربما في بلدان تبعد مئات الأميال من المكان الذي نشأت فيه. لذلك من المنطقي أن يعتبر الواحد منا البيئة قضية لا تستحق أن نصرف عليها ميزانياتنا الضيقة. ويبدو أن الشك الذي يحوم في داخلنا حول ما يرتبط بمستقبلنا المالي، يتغلب على اعتقادنا الراسخ حول البيئة. فالحقيقة الواضحة، هي أننا سنعاني مشكلات البيئة، أكثر من المشكلات المالية.
ومع ذلك، لم - ولن - تختف مشكلة البيئة فقط لأننا تجاهلناها. هناك أزمة اقتصادية، وأزمة مالية وأزمة طاقة، وهناك أيضا.. أزمة بيئة، مع فارق بسيط واضح هو أن الأزمة البيئية تشكل خطراً دائماً على الكرة الأرضية، مع غياب - أو تواضع- تشجيع الحكومات والأفراد على العمل لمجابهة ذلك الخطر. إن الأزمة الاقتصادية - التاريخية، يمكن أن تجلب الأمل للبيئة. فالأفراد يدخلون تغييرات على أنماط حياتهم بطريقة ربما تكون مفيدة للبيئة. فبيع السيارات قد انخفض بشكل كبير و"درامي"، في حين ارتفعت مبيعات الدراجات الهوائية في الدول الغربية. كما تناقصت حجوزات العطلات، الأمر الذي يؤدي إلى تقليل التلوث بسبب انخفاض استخدام الوقود الأحفوري. ولاشك في أن خطوات أخرى ستحدث إذا ما استمر الاقتصاد العالمي، ماضياً في وجهته الحالية الموحشة.
الأفراد - في الغرب وبعض المجتمعات الراشدة في الشرق - يمكن أن يزرعوا غذاءهم الشخصي بدلاً من شراء السلع المستوردة، والتي تحمل آثاراً عالية من الكربون. كما يمكن أن تعود العائلات إلى استخدام الأدوات اليدوية للقيام ببعض الأعمال المنزلية بدلاً من استخدام الأجهزة الكهربائية، كما يمكن أن تصبح عادة المشي واستخدام الدراجات الهوائية الوسائل الأكثر شعبية للتنقل. وبالرغم من أن هذا لم يكن متعمداً، إلا أن تأثير الأزمة الاقتصادية، يمكن ألا يكون ضاراً على البيئة كما يعتقد البعض، على الأقل بالنسبة إلى تلك البلدان التي تأثرت بالأزمة أكثر من غيرها. فعندما تكون الموجودات قليلة، تفضل الحكومات الإنفاق على المصارف الخاسرة، كما يقل عدد الأفراد الذين ينفقون أموالهم لشراء السيارات الكبيرة.
لقد رأينا تبدل أولويات مرشحي الرئاسة في الولايات المتحدة من البيئة إلى الاقتصاد المحلي كدليل على صحة ذلك. ففي خضم المعركة الانتخابية الأمريكية بين باراك أوباما الديمقراطي، وجون ماكين الجمهوري، عمل ذلك التغيير في الأولويات على إقناع الناخبين بقضايا فرص العمل في الأعوام المقبلة، أكثر من مسألة الحفاظ على أشياء ربما لن تؤثر فيهم لعقود. إن الانخفاض في الطلب على المنتجات المستوردة من الخارج مثل النفط هو ما تحتاج إليه البلدان المستوردة لها لتخفيض عجزها التجاري. فالأزمة الاقتصادية ربما تثبت أنها هي الشيء الذي نحتاج إليه لنكون أصدقاء للبيئة أكثر. فاتخاذ الإجراءات للحد من الاستيراد، يؤدي إلى هبوط في أسعار النفط في ظل انخفاض الطلب.
في السوق الحرة، يتقرر سعر المادة حسب العلاقة بين العرض والطلب. وفي حين يتحكم منتجو النفط في كميات المعروض من المادة، يتحكم المستهلكون - بدورهم- في كميات المطلوب منها. وهكذا يكون السعر ولدرجة ما محكوماً بعوامل تخرج عن نطاق تحكم أي دولة فيه. إن تقلبات أسعار النفط تفرز دائماً رابحين وخاسرين، وكذلك أسعار الصرف وأسعار المواد الغذائية، ومهما كانت أضرار الأزمة الاقتصادية على الأفراد والمؤسسات والأمم، وبالرغم من أخطار التخطيط قصير المدى، والحفاظ على "الذات"، فإن هذه الأزمة يمكن أن تكون نعمة كامنة للبيئة.