رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إدارة المدن .. أولوية في الحوار الوطني

تفعيل الانتخابات والمجالس البلدية يمثل نقلة نوعية في الإدارة المحلية ويعزز التوجه نحو التخفيف من المركزية ويؤكد أهمية إعادة التفكير في نظام الإدارة العامة وطريقة صنع القرار العام وإتباع رؤية ونهج جديد في الإصلاح الإداري يتعدى الاهتمام بتطوير نظم الأجهزة المركزية إلى تطبيق اللامركزية بمفهومها العام لتشمل نقل الصلاحيات لهيئات إقليمية ومحلية تتمتع بالاستقلال المالي والإداري. وعلى أن الانتخابات والمجالس البلدية سجلت نجاحات تمثلت في القدرة الفائقة على تنظيمها بحرفية متناهية وأظهرت السلوك الحضاري للمواطنين بانتظامهم في العملية الانتخابية، إلا أنها بلا شك لم تخل من التحديات الكبيرة خاصة في جانب الممارسة وما يتعلق باختصاصاتها وأدوارها والصلاحيات الممنوحة فالمجالس اقتصر دورها على مراقبة الأجهزة البلدية التي تعمل تحت مظلتها الإدارية والمالية! وفي الوقت ذاته يدور الاثنان (البلدية ومجلسها ) في دائرة ضيقة من الصلاحيات لا تتناسب مع حجم المسئوليات والأدوار المناطة بهما ولا ترتقي إلى مستوى تطلعات وطموحات المواطنين. وهنا تبرز المشكلة الرئيسة، التي يجب مواجهتها بكل شفافية ومصداقية وجرأة وهي أن سكان المدن توقعوا أن تقوم المجالس البلدية كمجالس نيابية محلية بتناول جميع قضاياهم وهمومهم المحلية والتصدي لها ووضع الحلول الناجعة، إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث لأن نظام البلديات ومجالسها معني فقط بالخدمات البلدية التقليدية وليس بإدارة المدينة بجميع قطاعاتها، ما خلق نوعا من الإحباط وعدم الثقة بالمجالس وهو أمر جد خطير على المشروع التنموي الوطني يؤدي إلى انسحاب الأفراد من القضايا والشؤون المحلية ويعزز الاتكالية واللامبالاة واللامسئولية. كما أن تعدد الوحدات المحلية والمرجعيات وعدم وجود نظام إداري ينسق فيما بينها يربكان العمل المحلي ويجعلان هناك نوعا من التضارب والازدواجية.
يجب أن يدرك القائمون على التنمية الإدارية أن طبيعة القضايا المحلية تختلف عن القضايا الوطنية فهي معقدة ومتشابكة ومتسارعة وملحة ويتداخل بها عدة أطراف وتخصصات تستلزم النظر إليها ومعالجتها بشمولية، ولا يمكن تناولها عبر سياسات مجزأة لقطاعات مختلفة كما في المستوى الوطني. إن غياب هيئات محلية تتمتع بالاستقلال المالي والإداري وتتحمل مسئوليات صنع القرارات التنموية المحلية يجعل من الصعب مواجهة التحديات واحتواء المستجدات ومعالجة المشكلات وستظل القضايا تتصعد وتتراكم على المستوى المحلي لتتحول إلى قضايا وطنية كان بالإمكان القضاء عليها في مهدها قبل ان تستفحل وتصبح وباء وشرا مستطيرا على البلاد والعباد. ومهما بلغت الأجهزة المركزية من القدرة والخبرة والصلاحيات لن تستطيع منطقيا ولا عمليا أن تعالج المشكلات المحلية اليومية فهي بعيدة عنها ومتعددة ومتنوعة ومتغيرة ولا تأتي ضمن أولوياتها، وهكذا تترك المشكلات المحلية الصغيرة تكبر وتتضخم أمام نظر سكان المدن دون حول منهم ولا قوة فاقدين آليات العمل المحلي المشترك وقنوات التعبير عن احتياجاتهم وتطلعاتهم ودون إجراءات قانونية واضحة لصناعة قراراتهم. معظم المشاكل التي نعانيها على المستوى الوطني خرجت من رحم الأحياء السكنية، مشاكل مثل الإرهاب والسطو والفقر والبطالة والتلوث والازدحام المروري جميعها كان بالإمكان اكتشافها مبكرا ووضع حلول ناجعة لكن هيهات في ظل غياب هيئات محلية منتخبة تكون مسئولة عن رعاية مصالح سكان المدن بسلطات تشريعية إدارية ومالية تمكنها من إدارة المجتمع المحلي وتنميته.
الحديث عن المجالس البلدية ليس ترفا سياسيا أو محاكاة للآخرين وإنما ضرورة تحتمها المعطيات والظروف الجديدة في الساحتين الداخلية والخارجية. المجالس البلدية آلية لاستشفاف الرأي العام المحلي والتعرف على الاحتياجات الحقيقية لسكان المدن وتطلعاتهم المستقبلية. يجب ألا نتوقف كثيرا عند المحطة الأولى للمجالس بل لا بد من الانتقال إلى مراحل متقدمة من النضج والعمل الإداري المحلي. لقد كانت تجربة الانتخابات والمجالس البلدية تجربة مثيرة بكل المقاييس ويجب تقييمها وتحليلها والتعرف على نقاط الضعف والقوة فيها والسلبيات والإيجابيات ومن ثم العمل على تطويرها لتكون أكثر استجابة لاحتياجات المواطنين في الحاضر والمستقبل. من الضروري جدا عدم الاكتفاء بمناقشة تطوير العمل البلدي من خلال محاولة تطوير النظام القائم للبلديات بمفهومه الضيق دون ضم القطاعات الأخرى تحت مظلته بل يلزم التفكير خارج الصندوق وبأفق أوسع، إذ إن جوهر الإشكالية التي تواجهها إدارة المدن هو في غياب هيئة محلية مسئولة عن جميع شئون المدينة وليس الخدمات البلدية التقليدية. وإذا ما استمررنا بذات التفكير والأسلوب المجزأ القطاعي فلن نفلح في إدارة المدن إدارة فاعلة وستستمر المدن تقذف بمشاكلها وأزماتها على الأجهزة المركزية لتضيع بين إدارات محلية مسلوبة الإرادة ومسئولة عن جزئية من قطاعات المدينة وأجهزة مركزية لا تلقي بالا واهتماما للقضايا المحلية الصغيرة. ما يزيد الطين بلة أن المسئولين المحليين، المتمثلين برؤساء فروع الأجهزة المركزية وبحكم التنظيم البيروقراطي الذي ترك دون رقابة نيابية يكون ولاؤهم وسعيهم لإرضاء مسئوليهم في المركز وليس بالضرورة الاستجابة لمتطلبات المجتمع المحلي.
القضية التي نحن بصددها تتعدى الحديث عن المجالس البلدية إلى موضوع إدارة المدن والمجتمعات المحلية وبالتالي يجب ألا نحمل وزارة الشؤون البلدية والقروية أكثر مما تحتمل فالوزارة بظني اجتهدت داخل إطارها التنظيمي بكل مهنية واقتدار وهي مازالت تسعى لتطوير نظام البلديات القائم بالاستفادة من الخبرات الأجنبية والوطنية. وقد يكون القرار الأخير بفصل نظام المجالس البلدية عن البلديات دليلا على سعي الوزارة الجاد إلى الارتقاء بالعمل البلدي. لكن تبقى قضية إدارة المدن دون علاج جذري وشامل تتطلب تداخل الأجهزة المركزية والمناطق والمحليات والنخب من المختصين والمهتمين بالشأن المحلي في نقاش جاد تحت مظلة الحوار الوطني لإيجاد صيغة مناسبة ونظام للإدارة المحلية يكفل تلبية احتياجات المجتمعات المحلية وفي الوقت ذاته يعزز الانضباط الاجتماعي. ما يجب التأكيد عليه في هذا السياق أن إدارة المدن تتطلب نقل الصلاحيات من الأجهزة المركزية إلى هيئات محلية منتخبة. هذا لا يعني بأي حال من الأحوال التقليل من سلطات أو صلاحيات الأجهزة المركزية بل على العكس تماما سيمنحها قدرا أكبر على التحكم والسيطرة، إذ ستكون إدارة بالأهداف والنتائج وستضيق من نطاق الإشراف بحيث تتعامل مع عدد أعضاء مجالس الهيئة المحلية، الذين يعدون على عدد أصابع اليدين بدلا من جميع سكان المدينة! اللامركزية لا تعني إلغاء المركزية بتاتا فهذا أمر مستحيل وغير منطقي فأساسا لن يكون هناك لامركزية من دون المركزية، بل إن الحكومة المركزية هي السبب في وجود الهيئات المحلية وكينونتها وهي جزء لا يتجزأ منها، ولكن الفكرة هنا "ترك الشأن المحلي يدار محليا" وإذا صحت هذه العبارة يتبقى علينا البحث عن الوسيلة الناجعة لإدارة المدن وأفضل مكان لنقاش ذلك هو "مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني" وقد تكون فترة التمديد للمجالس البلدية مواتية للتمعن وتدارس وضع الإدارة المحلية وصياغة نظام خاص بها يتم رفعه لمجلس الشورى.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي