رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


زلازل العيص.. وإمكانات هيئة المساحة الجيولوجية!

تربطني علاقة زمالة دراسية مع أخي الصديق الدكتور زهير نواب رئيس هيئة المساحة الجيولوجية حينما كنا ندرس في صفوف المرحلة الثانوية، وبعد الثانوية كنا نلتقي في فترات تتقاطع مع السنوات الطويلة أو القصيرة، ولكن آخر اللقاءات التي جمعتنا كانت في البيت العامر للأستاذ الفاضل هشام ناظر سفير خادم الحرمين الشريفين في مصر الذي كان يجمعنا في مجلس من أرقى وأنقى مجالس مدينة جدة.
ولكن عاد الزميل الدكتور زهير نواب إلى سطح الأحداث مع موجة الزلازل المتتابعة التي ضربت شمال المدينة المنورة، وابتليت بها بلدة العيص وما حولها من القرى والهجر، ثم بدأت حدّتها تتصاعد في مقياس ريختر من 2.2 إلى 5.23.
وبعد أن كانت محصورة في مركز العيص امتدت إلى ضواحي المدينة المنورة، ثم اتجهت شمالاً وشعر بها سكان تبوك وأملج وينبع والوجه وضبا، وباتت تنذر بأخطار لا يعلم مداها إلاّ الله ـ سبحانه وتعالى.
ونقرأ في التقارير التي تصدر عن مراكز أبحاث متخصصة إن منطقة شبه الجزيرة العربية حتى تخوم البحر الأحمر والخليج العربي.. باتت عرضة لمزيد من الزلازل نتيجة رهافة القشرة الأرضية، بدليل أن سلسلة الزلازل التي ضربت شمال المملكة في الأيام القليلة الماضية وصلت الإمارات حتى منطقة باب المندب في جنوب غربي البحر الأحمر.
طبعاً كلما اتسعت رقعة السلاسل الزلزالية.. اتسعت مسؤولية هيئة المساحة، والمؤسف أننا لاحظنا في البدايات الأولى أن هيئة المساحة الجيولوجية وصفت الأخبار التي يتناقلها السكان بأنها "لا تتعدى حدود الشائعة"، وكان يجب على هيئة المساحة الجيولوجية أن تكون في مستوى الحدث وأن تواجه هذه الأزمة بما تستحقه من شفافية وإفصاح ولا تترك الأحداث على الأرض تسبقها وتقدم الأسوأ الذي يضع الهيئة خلف الأخبار وليس أمامها.
وكنا نتمنى من الهيئة أن تقرأ ـ من البداية ـ مستقبل الأزمة جيداً وتقترح على الجهات العليا تشكيل لجنة عليا لإدارة الأزمة تتشكل من وزارة البترول والثروة المعدنية والكليات الجامعية المتخصصة والدفاع المدني ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية والرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة ووزارة الصحة ووزارة التربية والتعليم والهلال الأحمر السعودي، وغيرها من الجهات ذات الاختصاص، وأولى مهام هذه اللجنة العليا هو إصدار بيانات يومية ترصد التطورات بكل شفافية ووضوح بعيداً عن التبسيطات والتطييبات التي درجت على إصدارها هيئة المساحة والمركز الوطني للزلازل التابع لهيئة المساحة الجيولوجية، ومن مهام اللجنة العليا التي نتمناها الإعلان عن الاحتمالات الممكنة لهكذا زلازل، ونشر الأساليب العصرية للتعامل مع مثل هذه الكوارث، والسعي إلى توفير أماكن الإيواء والمساعدة لكل المحتاجين.
ولكن الذي اتضح من التطورات التي مازالت تفاجئنا في مركز العيص وما حوله إن ما يحدث في العيص تجاوز إمكانيات الهيئة، ويبدو أن الهيئة تحتاج إلى دعم في القوى البشرية الفنية المدربة وتحتاج إلى تأمين محطات حديثة لرصد الزلازل بكفاءة فنية أكبر، في مقابل ذلك لاحظت أن أداء الدفاع المدني عال جداً وبهرني أن لدى الدفاع المدني 48 ضابطاً جيولوجياً يتابعون التطورات ميدانياً، وبهذه المناسبة أسجل امتناني للنائب الثاني وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز وأشكره على المستوى الذي بلغه الدفاع المدني، ولا شك أن الأحداث المتفاقمة تتطلب أن تتضافر المؤسسات الحكومية الكبرى لمواجهة التطورات التي ربما تكون أسوأ ـ لا سمح الله ـ مما حدث.
وإذا كان لهذه التجربة الكثير من المساوئ إلاّ أن لها بعض الفوائد, وأهمها أنها وضعتنا في مواجهة تجربة تستحق أن نجيل النظر فيها ونتفحص فيما يدور من حولنا من مخاطر، ولعل الاهتمام بوضع كود للبناء يتضمن تنفيذ مواصفات ترفع من كفاءة المواد لمواجهة الزلازل وخفض الأضرار إلى أقل مستوى ممكن بات ضرورياً جداً، كما أن المطلوب من الجامعات المتخصصة ضرورة مباشرة المزيد من الأبحاث والدراسات في مسألة البراكين والزلازل في كل أراضي المملكة وما حولها.
إن أعلى سلطة في الدولة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز أبدى اهتماما شديداً بتطور الأحداث وأصدر أوامره لكل الجهات بضرورة الاهتمام بشؤون المواطنين في المنطقة وحرصهم على توفير أماكن الإيواء اللازمة لكل محتاج وحذر الجميع من التقصير.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن الأمم المتحدة لديها استراتيجية دولية للحد من الكوارث، وتعد السعودية إحدى الدول الموقعة على هذه الاستراتيجية، وهذه الاستراتيجية توفر لنا بعداً دولياً قد نحتاج إليه في المستقبل، والشيء الذي لاحظناه في الاستراتيجية الدولية إنها طالبت الدول الأعضاء بضرورة وضع قضية الحد من الكوارث في صميم برامج ومشاريع التنمية المستدامة، حتى تكون مواجهة المجتمع للكوارث الطبيعية على أعلى كفاءة ممكنة، وكذلك الحال بالنسبة للمستوى الإقليمي فإن المملكة العربية السعودية أسهمت في تصميم الاستراتيجية العربية للحد من الكوارث الطبيعية وهى استراتيجية اعتمدها وزراء البيئة العرب في اجتماعات جامعة الدول العربية.
والجميع يعرف أن منطقة شمال المملكة منطقة بركانية، ولقد وقع في هذه المنطقة كثير من الانفجارات البركانية على مدار التاريخ وأشد الانفجارات وقعت في عام 630هـ، كما أن حرات المدينة شهدت ـ على مدى التاريخ ـ تفجيرات بركانية واسعة وكاسحة قلبت عاليها سافلها، مما يتطلب مزيداً من المكاشفة والإفصاح.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي