رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


استهلاك الطاقة في المملكة .. السيارة ليست المشكلة

بشكل مفاجئ اندلع نقاش مهم جدا حول استهلاك الطاقة في المملكة. بدأ النقاش يأخذ مساره عندما صرح المهندس على النعيمي وزير البترول والثروة المعدنية أن "الطلب المتنامي في المملكة على الطاقة قد يهدد صادراتها النفطية" انتهى. في هذا الشأن يمكن القول إن الارتفاع الطبيعي للطلب على الطاقة ينتج من استخدامها لزيادة حجم الاقتصاد والإنتاج بشكل عام ومن ثم رفاهية الوطن واستثمار أمثل لموارده. هذه الحالة من الارتفاع في الطلب حالة صحية ومطلوبة ولم تظهر الطاقة ولم تستخرج إلا لها لكن الحال مختلفة وللأسف. باختصار ووفقا لتصريحات الوزير نحن نهدر الطاقة ودون عوائد اقتصادية. فإذا كان الطلب المحلي على الطاقة قد ارتفع "بمتوسط" يبلغ نحو 5.6 في المائة سنويا خلال الفترة بين 2001 و2008 ( لاحظ متوسط - أي أن المجتمع كان يتجاوز هذه النسبة في بعض السنوات ولعلها الأخيرة) في حين أن متوسط النمو في الناتج المحلي الإجمالي لم يتجاوز3.4 في المائة أي أن النمو في الاستهلاك لا يتناسب مع النمو في الناتج المحلي وكل ذلك يعني ببساطة أننا اليوم نستهلك (بهدر وبلا مسؤولية) موارد الغد والتي ليست من حقنا بل من حق الأجيال القادمة التي ستحاسبنا بشدة ولن تغفر لنا ذلك الهدر والإسراف غير المنطقي وغير الشرعي الذي نمارسه اليوم. نعم نحن نستهلك الكثير مقابل إنتاج أقل في هذا الإطار فتحت الاقتصادية ملف الهدر في الطاقة وذكر أحد المختصين أننا نستهلك يوميا ما يعادل استهلاك الهند من الطاقة في الوقت الذي تتفوق فيه الهند علينا عددا وإنتاجا وبمراحل كبيرة. كل هذه أدلة مثيرة للاهتمام على حجم الهدر الذي نقوم به والحاجة الملحة إلى حل جذري.
وإذا كانت مناقشة هذه القضية وبحث السبل الفاعلة لحلها أمرا في غاية الأهمية بل قضية وطنية فإنه من الخطورة بمكان حصر مكامن المشكلة في جانب واحد أو أن يضيق بنا أفق الحل. هناك تركيز غير مبرر على قضية أسعار البنزين واستهلاك السيارات من هذه الطاقة الحيوية. وحجم الاستهلاك هنا كبير بلا شك والدولة ـ حفظها الله ـ قدمت هذه الطاقة بأسعار مناسبة وقريبة من متوسطي الدخل ولهذا أسبابه الواضحة. فالمساحات شاسعة في المملكة سواء بين المدن أو حتى داخل المدينة الواحدة وعدم وجود بدائل نقل مريحة ورخيصة تجعل استخدام السيارة أمرا لا مفر منه بل إنها تقدم قيمة مضافة حقيقية لا يمكن تجاهلها. رفع أسعار البنزين قد يؤثر في الاقتصاد سلبيا طالما لم توجد بدائل قادرة على سد الثغرة الاقتصادية التي قد يتسبب فيها رفع الأسعار, سترتفع تكلفة النقل في المملكة بشكل حاد ومن ثم ترتفع تكاليف العديد من البضائع. أضف إلى ذلك أن الارتفاع سيتسبب في التأثير في العلاقة المهمة بين الادخار والاستهلاك. فجزء من الدخل الآن يتم توجيهه نحو الادخار ومن ثم الاستثمار سيتجه حتما نحو الاستهلاك (مقابل الارتفاع في أسعار الوقود) وبالتأكيد سيؤثر ذلك في الناتج المحلي وكأننا نقلنا المشكلة من قالب لنعيد صياغتها في قالب آخر. ويظهر لي أننا نعالج المشكلة من النقطة التي لم تتسبب فيه ابتداء وبمعنى آخر فنحن نعالج الظواهر دون معالجة للمشكلة الاقتصادية الحقيقية. فرفع الأسعار لن يحل الهدر بل سيبقى كما هو دون تغيير لأن احتياجنا للسيارة أساسي في الحياة الاقتصادية السعودية والطلب هنا غير مرن بشكل كاف فمهما رفعت الأسعار لن ينخفض الطلب جوهريا وسيكون التأثير محصورا على سلوك التكاليف لجميع المنتجات الاقتصادية ورفع أسعارها مع بقاء دالة الطلب على البنزين بحالها وبقاء الهدر دون حل كنتيجة لكل ذلك.
الحل هو كيف نستخدم المتاح لتطوير موارد جديدة للطاقة تغطي الاحتياج الحالي والمستقبلي ولعل في استخدام الطاقة الشمسية جزءا من الحل واستخدام الطاقة النووية حل آخر. هذا من جانب ومن جانب آخر لابد لنا من حل مشكلة النقل في المملكة بشكل جذري وعاجل ليس فقط بين المدن بل حتى داخل المدينة الواحدة والعالم في هذا المجال قدم حلولا متقدمة أثبتت نتائج فعاله. الرياض مثلا مدينة تتوسع بشكل متسارع بينما وسيلة النقل الوحيدة المتاحة هي السيارة. لن يؤدي رفع أسعار البنزين إلى تخفيض حركة السيارات في الرياض لأن الناس سيضطرون للتنقل حتى لو أخذ البنزين نصف الراتب. كيف نجعل الناس يتنقلون وينقلون بضائعهم دون استخدام السيارة وبتكاليف تقل أو تساوي تكلفة النقل بالسيارة؟ تلك هي المعضلة الحقيقية التي يجب فتح الملفات لمناقشتها.
وكما قلت سابقا فإنه من الخطورة حصر المشكلة في جانب واحد فهناك هدر غير مبرر في استخدام الكهرباء وخاصة من جانب الدوائر الحكومية. هناك الآلاف من الشوارع المضاءة لا تحتاج إلى نصف أعمدة الإنارة المضاءة فيها. هناك الآلاف من الغرف المضاءة في الليل والنهار لا يكاد يمر بها أحد طوال أسابيع. هناك الآلاف من أجهزة التكييف التي تعمل لغرف لا يكاد يعمل فيها إنسان. كل هذا هدر ليس مصدره السيارات بحال. ولو فتح المجال لسؤال المجتمع لوردت قوائم يصعب حصرها لأشكال الهدر في الطاقة.
إن تشكيل لجنة وطنية على غرار مشروع اللقاء الوطني للحوار لمناقشة وبحث حلول هذه القضية الخطرة سيكون خطوة إلى الأمام في مشروع تسليم الموارد الغنية للأجيال المقبلة بمسؤولية وبلا هدر أو إسراف.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي