د. غازي.. هنا يختلف!
حدث هذا قبل سنوات، وبعد تولي الدكتور غازي لحقيبة العمل بفترة قصيرة. كتب صاحبكم في هذه الزاوية مقالاً بعنوان: (السعودة.. اطلع برا لو سمحت!!)، وكان بالتزامن مع إلزام شركات الليموزين بسعودة وظائف السائقين، وفيه قارنت بين حالنا وحال عواصم مثل لندن ونيويورك التي يغلب على سائقي سيارات الأجرة فيها أنهم من جنسيات مختلفة وأننا لم نسمع هناك عن "برطنة" السائقين أو "مركنتهم"! وأستمرئت المقارنة إلى أن جزمت باستخدام "لن" في عبارة أعتقد أني قلت فيها: "لن تفلح المسألة" أو ما شابه!!
المهم، نشر هذا المقال في يوم أربعاء، وفي صباح الخميس التالي رن جرس الهاتف النقال، لاحظوا معي أنه يوم خميس وفي الصباح منه! وإذا بصوت على الطرف الآخر يقول:
- ألو..
- هلا بك..!
- هلا يا عبد الله!
- مرحبا.. من معي؟
- معك غازي القصيبي!
- ياشيخ؟ هههه! طيب... وبعدين؟
- أتمنى ما تكون مشغول أو شيء؟
- تحسست الصوت جيداً.. وتذكرت أنه لا يمكن إلا أن يكون صوت الدكتور غازي.. ذاك الذي كنا نستمع لإلقائه القصائد، وكان نفس الصوت لذاك الرجل المهيب الذي صافحته يوماً بالمصادفة أثناء عمله في وزارة الخارجية بعد تغطية صحفية لمهرجان دولي.. لا بد أنه هو!
- معي يا عبد الله؟
- نعم.. معك يا دكتور!
واستمر الدكتور غازي يحاورني في كل سطر من مقال كتبته في خمسمائة كلمة، واتفق معي هنا.. واختلف معي هناك، وعلمني في ساعة أو يزيد قليلاً ألاّ أستخدم كلمة (لن) حين قال: "أنت لا زلت شباب.. وإذا استخدمت لن من هالحين، وش بتقول إذا صرت كبري؟"، كما علمني ألاّ أقارن بيننا وبين "المتقدمين"، لسبب بسيط وهو أنهم حافلون بالبدائل من تعليم وصناعة وتجارة وتنمية! كما علمني أن العمل حقيبة شائكة ستحفل بكثير من الصدام... وقد حصل! واختتم بعبارة جعلتني ملء نفسي فخراً قبل أن أعود للتذكر أن شخصاً بحجم الدكتور غازي القصيبي قد كرس من وقته قرابة الساعة لمحاورة كاتب في عمر أبنائه، فما عساي أفاخر به غير أبوتي.. وهزال من تكاليف آخر؟!
لهذا.. ولأشياء أخرى كثيرة، هو غازي القصيبي الذي كلت وارتعدت الحقائب من طرقه وتعديله لها، رجل حضور وبت فوري.. كما في أبطال مسرحيات شكسبير الخالدين! لا ينتظر طويلاً حتى يصل بخطته لترشيد استهلاك الماء إلى كل بيت، ولا يمهلك كثيراً حتى يقرر أن يعتمر قبعة نادل ويبتسم للمصورين..! رجل يحاورنا ولا يكتفي بإرسال تعقيب ينفي "العنوان"! رجل يطلب النسخة الأصلية من نتاج فن الكاريكاتير! مسؤول يشعر الصحفي المسحوق أن له كلمة مسموعة... تستدعي الحوار والجدل..!
إلى آخرين أقول: التواصل هو الفيصل!