مكتبة بوش لم تنقذه من الأخطاء السياسية والاقتصادية
استفزني وأغاظني ـ بعدما أضحكني ـ خبر نجاح الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، في جمع 100 مليون دولار أمريكي، تمهيدا لإيصال المبلغ إلى 300 مليون دولار، من أجل ماذا؟ من أجل بناء مكتبته الرئاسية. دعونا نلقي نظرة على الاسم: "مكتبة جورج بوش الابن"! والواقع أن الاستفزاز الذي انتابني، لم يأت من حجم الأموال التي جمعت من خلال التبرعات، بل من كلمة واحدة وردت في متن الخبر.. هي: "مكتبة"! أما الغيظ الذي ضربني، فقد جاء من قدرة بوش على جمع 100 مليون دولار خلال المائة يوم الأولى له، بعد خروجه من البيت الأبيض إلى غير رجعة. أي أنه تمكن من جمع مليون دولار يوميا، بينما لم يستطع الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون جمع 100 مليون دولار، لمكتبته الرئاسية، إلا في غضون عامين. وإذا استطاع بوش اقتناص هذه المبالغ في مساحة زمنية قياسية، لا شك في أنه سيكمل الطريق للوصول إلى المبلغ المنشود، في زمن قياسي أيضا، ولا أشك في أن غيظي سيصل ـ وقتذاك ـ إلى مستويات قياسية. ولمزيد من الغيظ، فإن "مكتبة بوش"، ستقام، أين؟ في جامعة ساوثرن ميثوديست في ولاية دالاس.
جورج بوش الابن، الذي دخل التاريخ ، كأغبى رئيس أمريكي ـ حسب التقديرات والتصنيفات المؤسساتية الأمريكية المختلفة، لا وفق تصنيفي الخاص، أو تصنيف أي فرد آخر ـ سيقف بمكتبته المزمعة إلى جانب مكتبات رؤساء سابقين مثل هيربرت هوفر، وفرانكلين روزفلت، وجون كيندي، وجيمي كارتر، وبيل كلينتون، الذين عرفوا ـ بضم العين ـ بالثقافة والاطلاع، وقراءة التاريخ بصور تضيف إلى المستقبل، لا بأشكال تنال منه، كما عرفوا ـ بفتح العين ـ أهمية مواقعهم. وعلى هذا الأساس، يمكنني قبول أن تتسمى كل الهيئات والمؤسسات والمراكز باسم "جورج بوش الابن"، لكنني أجد صعوبة ـ لا حدود لها ـ في إطلاق اسمه على مدرسة أو جامعة أو مركز دراسات وبحوث.. وبالطبع على مكتبة.
وإذا قبلنا الأمر الواقع، بأن هذه المكتبة ستقام ـ سواء فرحت أم حزنت ـ فإننا لن نستغرب في المستقبل، لو سمعنا عن إنشاء "جمعية شارون - رئيس وزراء إسرائيل السابق المغمى عليه - للخدمات الإنسانية"، و"مؤسسة مائير - رئيسة وزراء إسرائيل السابقة - لرعاية الطفولة"، و"جيش ليبرمان ـ وزير خارجية إسرائيل - لمقاومة الاستيطان اليهودي"، و"مركز صدام حسين ـ رئيس العراق السابق ـ للدفاع عن الديمقراطية"، و"جمعية هتلر ـ الزعيم الألماني النازي السابق ـ للسلام"، و"مؤسسة أسكوبار ـ ملك الكوكايين الكولومبي المقتول ـ لحماية المجتمع"، و"لجنة آل كابون ـ زعيم المافيا الأمريكي ـ الدائمة للتكافل الاجتماعي"، و"هيئة برنارد مادوف ـ أشهر محتال في التاريخ الأمريكي ـ لحماية الجمعيات الخيرية". ولن نصاب بالدهشة لو أنشأت "جمعية كاسترو ـ الزعيم الكوبي ـ للصداقة مع الولايات المتحدة الأمريكية"، و"مركز أسامة بن لادن ـ زعيم تنظيم القاعدة - لحماية الأرواح البريئة".
لم يظهر جورج بوش الابن طوال فترة وجوده في البيت الأبيض، أي علامة من علامات استيعاب ما يجري، ليس فقط على الساحة الدولية، بل على الساحة المحلية أيضا. فقد كان مثالا ـ وهذا أيضا من تقييم مؤسسات أمريكية ـ لا يحتذى في مجال الأخطاء السياسية والاقتصادية، وبالطبع "اللفظية" والتعبيرية، ناهيك عن البروتوكولية. وقد سلم بعض العاملين في إدارته ـ أمرهم لله ـ في مسألة تعليمه وتأهيله، لتهذيب خطابه ـ لغويا وثقافيا ـ وإيصاله إلى مستوى يتناغم مع موقعه كرئيس لأقوى دولة في العالم، بينما البعض الآخر منهم ـ وهم الأغلبية ـ لم يكن لديهم ما يقدموه في هذا المجال، لأنهم لم يكونوا أفضل ثقافة ودراية من رئيسهم. ولذلك ـ لا غرابة ـ في أنه كان يقدم الموصوف على الصفة، وهذا من أكبر الأخطاء فداحة في اللغة الإنجليزية! وكان يخلط بين الفعل الماضي والمضارع، ويضيف حروف S وED للكلمات التي لا يمكن أن تضاف إليها. بل إنه تسبب في إحدى المرات في إرباك معلومات تلاميذ مدرسة في نيويورك، عندما خطب فيهم، وأضاف حرف S إلى آخر كلمة Children أي أطفال، وهذه الكلمة تعتبر في اللغة الإنجليزية "جمع غير قياسي"، لا يمكن إضافة هذا الحرف إليها! وعندما أراد أن يقدم جملة مفيدة ـ عن الأطفال أيضا الذين يعرفون قواعد اللغة أكثر منه ـ قال بوش: is our children learning?، أي "هل يتعلم أطفالنا؟". بهذه الجملة ـ غير المفيدة ـ استخدم السؤال عن المفرد، بدلا من استخدامه أداة السؤال عن الجمع! ولو كنت صاحب قرار في الولايات المتحدة، لمنعت الرئيس من التخاطب مع الأطفال، لأن لدى هؤلاء ما يكفي من "التسيب" اللغوي أصلا، وهم بحاجة إلى معلم، لا إلى مضلل، ولا إلى "لغوي" يوازيهم في "البلاغة".
لا يمكن حصر الأخطاء اللغوية التي ارتكبها بوش طوال فترة رئاسته لبلاده التي استمرت ثماني سنوات. وإذا كان قد دخل التاريخ ـ كأغبى رئيس أمريكي ـ فقد دخله أيضا ـ وبعنف ـ من باب الكتب التي صدرت عنه، لا لطرح ومناقشة "فكره"، بل لتسجيل وتوثيق أخطائه. فقد سجلت الولايات المتحدة رقما قياسيا في صدور هذا النوع من الكتب، بل إن موقع "أمازون" المتخصص في بيع الكتب على الإنترنت، لا يزال يعلن، بأن الطلب على هذه الكتب يزداد حتى بعد خروج بوش من البيت الأبيض. وعلى هذا الأساس، يمكنني القبول بمكتبة تحمل اسم "جورج بوش الابن"، شرط أن تحتوي فقط على هذه الكتب.
لن أتحدث هنا عن ألفاظ بوش الخاطئة للكلمات، فسيل أخطائه اللغوية - التعبيرية يغطي على كل شيء. إلا أنني لم أستطع الهروب من الإشارة إلى أنه الوحيد في هذا العالم، الذي يلفظ كلمة نووي Nuclear بهذا "اللحن": new-cue-ler. ولا أستطيع في هذه المساحة، أن أستعرض كل أخطائه المعلوماتية، فالذين نشروا الكتب عنها في الولايات المتحدة، عرفوا قبلي، أن مقالا في صحيفة، لن يفي بالغرض، لكني لن أتجاهل، عدم معرفته باسم رئيسي الشيشان، وباكستان، ورئيس وزراء الهند. وكيف يمكن تجنب الإشارة إلى أن بوش اعتبر أن رئيس جنوب إفريقيا السابق نيلسون مانديلا ميتا؟! فقد قال: "سمعت شخصاً يقول أين مانديلا. مات مانديلا، لأن صدام (حسين) قتل كل من هو على شاكلة مانديلا"! وكيف لا نشير إلى أنه في خطاب أمام "منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الأطلسي" المعروف اختصارا باسم "آبيك"، شكر القائمين على منتدى"أوبيك" (منظمة الأقطار المصدرة للنفط)؟! وفي إحدى المرات، قال بوش: "أذكر أنني التقيت بأم خطف ولدها على أيدي كوريين شماليين هنا في البيت الأبيض". وكان عليه أن يقول:" التقيت هنا في البيت الأبيض، بأم اختطف ولدها على أيدي كوريين شماليين". وفي خطاب له أمام الملكة إليزبث الثانية ملكة بريطانيا قال: "إنك يا صاحبة الجلالة عاصرت عشر رؤساء أمريكيين، وشاركت في احتفالات العيد الوطني للولايات المتحدة عام 1776". وكان يقصد بالطبع احتفالات عام 1976. وهو بهذه الكلمات أطال عمر الملكة البريطانية، إلى أكثر من 200 سنة!.
مهلا.. مهلا، فقد شكر جورج بوش الابن أيضا القوات "النمساوية" ـ بالإنجليزية Austria - على دورها العظيم في العراق، بينما كان يقصد القوات الأسترالية ـ بالإنجليزية Australia. وعلى مبدأ "تزاحم الأفكار" ـ إن وجدت عن بوش ـ فقد قال في إحدى المرات، العبارة المريعة التالية: "الأجنحة لها أحلام"! وكان يود أن يقول: "للأحلام أجنحة". وفي الاقتصاد ـ يا للهول- قال: "إن معظم وارداتنا من البضائع تأتينا من خارج بلادنا"!! وهو بذلك وضع "نظرية" اقتصادية، في وقت "انزوت" فيه كل النظريات الاقتصادية، في ظل الأزمة العالمية، التي كان أحد المتسببين فيها. وعلق أيضا على الموازنة العامة لبلاده بالقول: "إنها بالتأكيد ميزانية.. إنها تحتوي على أرقام كثيرة"!!
بعد كل هذا وأكثر، هل من اليسير، القبول بمكتبة تحمل اسم هذا الرجل؟ هناك الكثير من الأسماء المناسبة، يمكن أن تشكل بديلا، يخفف الغيظ. "مكتبة الجاهل".. أو "مكتبة الجهل".. أو حتى " مكتبة أحلام الأجنحة"! أليست مناسبة للشكل والمضمون؟