هل الاقتصاد العالمي بحاجة إلى أزمة لكي يقتنع الاقتصاد الإسلامي؟
مر العالم في العام الماضي بأزمة عامة على مستوى الاقتصاد شمل أغلب دول العالم، ويرجع كثير من الاقتصاديين إلى أن الأزمة كان سببها النظام السائد في العالم وهو النظام الرأسمالي الذي يعتمد الربا أساسا لعمل البنوك، والمبالغة في عملية بيع الديون وتداولها، كما أن سوء استغلال الأنظمة والتشريعات الرأسمالية التي تبني مبادءها على أساس إشباع الرغبة الفردية لتحقيق الإشباع المادي والمالي للفرد لتنتفع الجماعة، واستغلال التشريعات والأنظمة لتحقيق ذلك يجعل الاقتصاد بعيدا بشكل كبير عن الأخلاق التي يدعو إليها الإسلام والديانات السماوية الأخرى قبل ما حدث لها من تحريف.
ولما حصلت الأزمة وكانت أزمة مؤثرة جدا، وهذه الأزمة نشأت في الأساس في أمريكا بسبب أزمة الرهن العقاري إلا أن العالم اكتوى بنارها، فكان هناك عمل للبحث عن نماذج اقتصادية أخرى من الممكن أن تعالج الخلل الذي يوجد في النظام الرأسمالي، ومن خلال النظر في الأنظمة العالمية اليوم على مختلف أشكالها نجد أنها إما تتبنى النظام الشيوعي البائد الذي يعد أسوأ في الأساس من النظام الرأسمالي، وإما النظام الإسلامي الذي توجد بعض تطبيقاته في بعض دول العالم خصوصا في بعض البلدان الإسلامية ولذلك كان هناك سعي للاستفادة من هذا النظام، خصوصا وأنه من خلال تطبيقاته الموجودة فإنه يحرم الربا وبالتالي الفائدة التي تأخذها البنوك على القروض، ثم إنه يحرم تسلسل تداول الديون والتي قد تصل في بعض أحوالها إلى تداول وبيع وشراء غير حقيقي.
ولكن بعد كثرة الحديث اليوم عن أن هناك بوادر لانفراج الأزمة المالية العالمية وأن هناك حديثا عن أن الاقتصاد العالمي سيتعافي في نهاية العام الميلادي الحالي 2009م، وأن العام المقبل 2010م سيكون الوضع الاقتصادي فيه أفضل حالا بعد هذه الأزمة، وكان أثر ذلك واضحا من خلال التعافي الذي تشهده الأسواق المالية العالمية والتي شهدت ارتفاعات قد تتجاوز الـ 20 في المائة في فترة وجيزة، فالسؤال المهم في هذه المرحلة هل سينتهي الحديث عن الاقتصاد الإسلامي والمالية الإسلامية والاهتمام بها فيما لو تعافى الاقتصاد العالمي، حيث إنه إذا ثبت تعافي الاقتصاد العالمي فإن هذا سيؤدي إلى قناعة أكبر بمتانة النظام الرأسمالي وأنه قادر على تحمل وتجاوز أعتى الأزمات، حتى وإن كان النظام لا تراعى فيه مسائل مهمة ورئيسة لعل منها جانب الأخلاق في المعاملات.
الحقيقة أن مسألة اعتماد أن المالية الإسلامية ستبرز فيما لو سقطت النظرية الرأسمالية واعتماد المالية الإسلامية في بروزها على الأزمات المالية العالمية يعد أسلوبا غير صحيح في إبراز هذا المنهج الإلهي في الاقتصاد والمعاملات المالية، إذ إن علم الاقتصاد والمالية الإسلامية يعتمد على أسس مهمة لابد من الاهتمام بها وبتطبيقها وهي في الحقيقة عامل الجذب للاقتصاد الإسلامي وليس الأزمات وذلك مثل المبادئ التالية:
1- إن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد إلهي قائم على الوحي ويعطي منهجية من خلال تعاليم المولى جل وعلا الذي خلق الإنسان وهو أعلم به.
2- إن الاقتصاد الإسلامي يعتمد الأخلاق كأساس لا يمكن التنازل عنه لأي سبب من الأسباب المادية، وذلك إن حفظ الإنسان لهويته وقيمه ومبادئه أهم من قضية المال والمادة.
3- إن النظام الاقتصادي الإسلامي يعتمد المرونة في تشريعاته، فهو في الأصل لا يعتمد شكلا أو نوعا معينا من المعاملات بل يعطي هذا السلوك الإنساني مساحة واسعة للتفاعل مع المتغيرات والتطورات في ظل ضوابط محددة وواضحة، تكفل العدالة للبشر.
4- إن التوجيهات التي يمكن اقتباسها من آيات القرآن ومن هدي المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ تسهم في حل كثير من المشكلات الاقتصادية مثل قلة الموارد، معالجة مشكلة الفقر والبطالة، بالأسلوب الذي يراعى فيه حل المشكلة من جذورها وضمان تحقيق العدالة والكرامة للفرد.
إضافة إلى مبادئ أخرى كثيرة تسهم في انتظام الاقتصاد، وجعله واحدة من حاجات المجتمع وليس الأمر المهم الذي له الأولوية القصوى أو الكبرى في مقابل الأولويات الأخرى، كالعبادة والاهتمام بالمجتمع وغيرها.
ولذلك من المتصور أن نشر الاقتصاد الإسلامي وإبراز جوانب تفوقه على الأنظمة الأخرى لا يتم من خلال انتظار الأزمة بعد الأزمة ليكون محل اهتمام العالم، بل لا بد أن يبرز من خلال التطبيقات التي تراعي هذه الأسس التي يقوم عليها مفهوم الاقتصاد في الإسلام، فالعالم في حاجة إلى نموذج يحقق جانب العدالة في المعاملة بين الناس، من خلال مبادئ نظرية مؤصلة وتطبيقات عملية لتلك النظريات لتؤكد أن النظام الإسلامي مثالي وقابل للتطبيق.