رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الموظف المتقاعد.. البحث عن حقوق المساواة!

تتسم مجموعة الأنظمة التي تحاصر الموظف المحال إلى التقاعد بأنها أنظمة وكأنها قد صدرت خصيصاً لتعاقبه على الخدمات الجليلة التي قدمها لمجتمعه ووطنه طوال الـ 60 ربيعاً التي قضاها على رأس العمل، والبداية تبدأ بنظام التقاعد أو نظام التأمينات الاجتماعية اللذين يعتبران شحيحين في رواتبهما التقاعدية، ولكن الأسخم من ذلك هو مجموعة النظم والقواعد التي يضطر الموظف المتقاعد للتعامل معها فور خروجه من الوظيفة، وهي أنظمة القروض البنكية التي يحتاج إليها لبناء سكن له ولأولاده، وأنظمة التأمين الصحي التي يتمناها لترميم ما تبقى من الصحة.
بداية يجدر أن نعرف الموظف المتقاعد، بأنه الإنسان الذي أحيل إلى التقاعد بعد أن شغل وظيفة أو مجموعة من الوظائف في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص، واستمر يؤدي واجباته الوظيفية بكل الولاء والإخلاص منذ تعيينه حتى صدور قرار إحالته إلى التقاعد غالباً بعد بلوغ سن الـ 60.
ومن منظور إسلامي بين القرآن الكريم مراحل حياة الفرد، وجعل الشيخوخة هي المرحلة الأخيرة من حياة الإنسان الدنيوية, قال تعالى: "هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلاً مسمى ولعلكم تعقلون"، وورد في السنة عن أبى هريرة أنه قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: "عمر أمتي من ستين إلى سبعين".
ويجب أن نعترف بأننا ـ كمجتمع سعودي ـ لم نكافئ الموظف المحال إلى التقاعد بما يستحقه من تقدير وتكريم نظير ما قدمه للمجتمع من تضحيات وخدمات طوال فترة الخدمة التي كان يقوم بها، بل بالعكس عاملنا الإنسان المتقاعد بالنكران والجحود وقفلنا أمامه أبواب الحياة الرغيدة والكريمة، وأعتقد أننا لا نبالغ إذا قلنا إن الموظف في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص دفع حياته وشبابه ثمناً لوظيفته، وطبعاً جنى فوائد هذه الخدمة من الرواتب المستحقة التي كان يقبضها مع مطلع هلال كل شهر، ولكن لا ننسى أن الموظف أفنى ربيع عمره فداء لوظيفته، ولذلك حينما يحين وقت الاستراحة، فإننا يجب ألا نحرمه من الراحة ونيسر أمامه سبل الحصول على أبسط الاحتياجات الضرورية للحياة الكريمة وهما السكن الدافئ والعلاج الذي يحتاج إليه بعد أن تخطى سن العمل وبدأ سن التقاعد والمعاناة الصحية.
ولكن المؤسف أن نظام التقاعد لا يرد للموظف الأموال التي اقتطعها من رواتبه أثناء فترة خدمته، ولو استثمرنا جيداً ما أخذناه من الموظف طوال فترة خدماته لحصلنا على أضعاف ما نعطيه من راتب تقاعدي محدود، ونعرف جميعاً أن الموظف المتقاعد لا يأخذ إلاّ راتبه التقاعدي المتآكل، وطبعاً يحرم من كل المزايا والعطايا والعلاوات والزيادات، الأكثر من هذا أن الأنظمة تحرمه حتى من الاقتراض من البنوك لبناء عش الحياة، ولذلك معظم المتقاعدين تركوا الوظيفة وهم فقراء لا يملكون سكناً يأويهم ويأوي أولادهم وأهليهم، وحتى القروض المشروعة لكل المواطنين تمنعها البنوك عن المتقاعدين وتشترط لمنح القروض ألا يتجاوز طالب القرض سن الـ 60 عاماً، بمعنى أن القرض ممنوع على المتقاعدين، الأسخم من ذلك أن شركات التأمين نهجت نهج البنوك نفسه ومنعت التأمين الصحي عن الذين تجاوزوا الـ 60 عاماً، والذنب الذي ارتكبه المتقاعد أنه بلغ الـ 60 خريفاً، وطالما أنه بلغ هذه السن فيجب ـ كما ترى البنوك وشركات التأمين ـ أن يخرج من رحمة قوانين الإنسان.
وما كان يجب أن نفعله إزاء الموظف المتقاعد هو أن نعتبره الأجدر بتقديم التسهيلات التي تتناسب مع ظروف تقاعده وتأخذ بيديه إلى حياة رخية وكريمة ينهي بها بقية عمره، أمّا أن نعرضه لحياة تعيسة وقاسية بعد أن قدم لنا زهرة شبابه، فهذا منطق ترفضه أبسط قواعد حقوق الإنسان.
البعض يقول إن قوانين القروض والتأمين التي تطبقها البنوك وشركات التأمين في المملكة هي القوانين السائدة في كل أنحاء العالم، وإذا كان الأمر كذلك، فإننا لا نتمنى أن نكون حريصين على تطبيق قوانين لا تراعي أبسط قوانين حقوق الإنسان وتتنكر لموظف أفنى زهرة شبابه في أدائه لعمله أيام الصحة والنضارة والعز، وما نعرفه يقيناً أن الغرب يميز الموظف المتقاعد بالكثير من المزايا والعطايا ولا يتركه يغرد وحيداً في العوز والفاقة والحرمان.
هذا عن الموظف الحكومي أو الموظف في القطاع العام، أمّا الموظف المتقاعد في القطاع الخاص، فإنه يقع في دوائر نظامية تغلق عليه جميع منافذ الرحمة والأمل، فهو ممنوع من الاقتراض لإنشاء مسكن أو إقامة مشروع، وممنوع من التأمين الصحي، ثم إنه فوق ذلك لم تشمله المنحة الملكية التي صدرت لتمكين المواطن من مواجهة غلاء المعيشة بواقع 5 في المائة و10 في المائة حتى 15 في المائة على مدى ثلاث سنوات.
إن أهم ما يحتاج إليه الموظف المتقاعد هو سكن يلم شمل أسرته ويستر عوراته، وتأمين صحي يعينه على أمراض الشيخوخة التي تبدأ في مغازلته بعد بلوغ الـ 60 خريفاً.
وشيء جميل أن يجتمع المتقاعدون ويؤسسوا جمعية يحتمون بها، ولكن الأجمل أن تحقق الجمعية أهدافها، وأهم تلك الأهداف هو تسهيل الحصول على قرض مصرفي للمتقاعدين أسوة بإخوانهم بقية المواطنين في كل الشرائح، وكذلك حصولهم على بوليصة تأمين صحي تحمي جيوبهم المكدودة من هجمات تكاليف العلاج التي ترتفع مع تقدم السن, وحتى الآن يبدو ـ للأسف الشديد ـ أن الجمعية أضعف من أن تحقق شيئاً للمتقاعدين اللاهثين، فالأنظمة المعارضة للمتقاعدين صريحة وواضحة، والجمعية بضعفها لا تقوى على تعديل هذه الأنظمة المتمسكة بقواعدها المجحفة للمتقاعدين.
إن أبسط قواعد العدل والمساواة تقتضي بالضرورة وضع صيغ مناسبة لتحقيق العدل بين جميع الموظفين، وإذا كانت الحكومة تقر زيادة رواتب المتقاعدين في القطاع الحكومي، فإن الحكومة ـ وهي المسؤولة عن رعاية حقوق جميع مواطنيها ـ ملزمة بزيادة رواتب المتقاعدين في القطاع الخاص، لأن الزيادة هنا لا تبنى على قاعدة الانتماء الوظيفي، وإنما تبنى على قاعدة المواطنة والمصلحة العليا للأمة السعودية والاقتصاد الوطني، ونعرف جميعاً أن تحسين أحوال فئة من الموظفين وحرمان فئات أخرى لن يؤديا إلى تأثيرات إيجابية في الاقتصاد الوطني، بل بالعكس فإن حرمان الأغلبية من مزايا زيادة دخولهم ومزايا التأمين على صحتهم ومزايا التسهيلات البنكية لهم.. ينعكس سلباً على الاقتصاد الوطني، بل على العلاقات بين هذه الفئة ونظيراتها من الفئات الأخرى.
وعلى طريق تكريم الدولة المتقاعدين، فقد صدر منذ أيام أمر خادم الحرمين الشريفين بإطلاق القروض للمتقاعدين الحكوميين، وأشار الأمر الملكي إلى أن تقوم الحكومة بتغطية النقص، وحسنا فعلت الحكومة، وبالمثل فإذا استطاعت الدولة ـ وهي الراعية لجميع مواطنيها ـ تغطية النقص لقروض موظفي الحكومة، فإن تغطية النقص نتيجة زيادة منتظرة ومأمولة لرواتب موظفي القطاع الخاص الذين طال انتظارهم المنحة الملكية الكريمة.. أمر مطلوب وضروري الآن.
نحن هنا نتمنى ألا ينظر إلى موظفي القطاع الخاص على أنهم شرائح من خارج النظام الاقتصادي الوطني، لأن القطاع الخاص بموظفيه ومتقاعديه جزء لا يتجزأ من نسيج الاقتصاد السعودي الوطني، ولذلك فإن زيادة دخول موظفي ومتقاعدي القطاع الخاص من شأنها أن ترفع مستوى معيشة المواطن السعودي، كما أن حسابات الناتج القومي تتضمن بالضرورة إنتاجيات جميع موظفي القطاع الخاص والقطاع الحكومي، ولذلك فإن تحسين مستوى معيشة قطاع واستبعاد القطاع الأكبر لا يحقق المعادلة التي تنشدها حكومتنا الرشيدة، والهادفة إلى حماية كل المواطنين من غول الغلاء، وما زال موظفو القطاع الخاص ينتظرون.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي