البنك المركزي الخليجي .. لماذا الرياض؟
سأبدأ "بالخليجي" والتي بذكرها تذكر الوحدة الخليجية التي انطلقت أحلامها مع مجلس التعاون لدول الخليج العربي قبل نحو 30 عاما. وبرغم استخدام كلمة "التعاون" الآن فإن النظام الأساسي للمجلس وضع الوحدة بين دولة وفي جميع الميادين كأول أهدافه. الخليج ككل مشروع "وحدة" سبق مشاريع عالمية كثيرة، يتميز بصدق الدول المشاركة فيه، وبرغم الخلافات التي تنشأ كطبيعة لازمة للأمم والحوارات إلا أنه لم يتأثر ولا يزال يعمل بصبر وثبات. المشروع ليس مجرد كلمة قيلت في اجتماع وصفق الجميع لها ثم انفضت، بل حزم حقيقي لن تستطيع الأمة تجاوزه بمجرد أحلام واستعجال العمل. فلكم قيل عن هذا المشروع ولكم هوجمت أفكاره تحت مسميات عدة وأنه يعطل مشاريع أخرى وأنه عقبة وضد ومع، لكنه بقي وانتهت هذه الترهات. هو مشروع مؤسسي بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى فلم ينته بنهاية حقبة أو طموح شخص ولم يتأثر بموت عظيم, ولكم مات في سبيله من عظماء.
البنك المركزي وهو نقطة ارتكاز في أي نظام مصرفي واقتصادي. عن طريق البنك المركزي يمكن إدارة دفة التدفق النقدي داخل بنية الاقتصاد ويمكن من خلال هذه الإدارة تحديد المسار العام والتحكم في مستويات التضخم والانكماش. البنك المركزي يدير عملة الاقتصاد ويحدد أنواعها وطرق تداولها وكمياتها وكمية كل نوع منها وفقا لعمليات حسابية معقدة. هذا يقودنا للاستنتاج الأهم أنه لا بد لأي بنك مركزي من عملة يتحكم فيها, فلا معنى لبنك ومركزيته بلا عملة تحت تحكمه, نعم البنك المركزي الخليجي حلم 30 عاما وبدأ يتحقق. لكن الصورة لم تكتمل بعد والبنك يحتاج إلى عملته كالعريس ينتظر عروسه, وطريق العملة الموحدة لم يزل ضبابيا, وهناك تخوف له ما يبرره. فالبنك المركزي كان أحد أصعب العقبات أمام العملة الموحدة وقد تم، لكن العملة الموحدة هي الحسم المنتظر. فلماذا يعد قرار العملة بهذه الصعوبة؟
القضية تتعلق بالسياسات الاقتصادية لكل بلد من البلاد التي ستقرر تبني العملة الموحدة وقرارات البنك المركزي, مسألة تخل طوعي عن بعض السيادة. فالسياسات الاقتصادية بعد تبني العملة الموحدة ليست بالسهولة التي كانت قبلها، فلم تعد فردية خاصة بالدولة, بل بمصالح مجموعة الدول. لا يمكن لدولة أن تتوسع في الإنفاق متجاهلة السياسة النقدية العامة التي أقرها البنك المركزي. بمعنى آخر لم يعد لأي دولة من دول المجموعة أن تتوسع في مصروفاتها لتمويل مشاريعها أكثر مما يسمح به ناتجها المحلي. من يضمن تمويل العجز؟ هل هو البنك المركزي بأصوله وعملاته الأجنبية؟ وإذا حدث هذا فهل يعني أن تلك الأصول والعملات تخص الدولة التي تتعرض للأزمة أم هي تخص جميع دول المجموعة؟ تلك هي المشكلة. إن تفاقم العجز عند أي دولة من الدول سيكون كارثيا على باقي المجموعة. وبمعنى آخر فإن الدولة التي لن تلتزم السياسات الاقتصادية السليمة وتسيطر على رغباتها في الإنفاق هي التي ستستفيد من الوحدة النقدية أكثر من غيرها وسيفقد الاتحاد مصداقيته وعدالته وينهار. والحقيقة أن السيناريوهات في هذا المجال لا يمكن حصرها ولا حصر تأثراتها.
المشكلة الأخرى المصاحبة هي في السياسات الاقتصادية الملتزمة التي يجب على دول الأعضاء الالتزام بها. فالالتزام بحدود العجز في الميزانية السنوية إلى الناتج المحلي أمر في غاية الأهمية ونسبة الدين العام والتضخم كلها أمور جوهرية. وهذا – من جانب آخر – يعني الحد من الإنفاق غير المدروس والمقنن ويعني أيضا – وهو الأهم - تأخير بعض خطط التنمية لدى بعض دول الأعضاء ومسؤولياتها تجاه شعوبها وتجاه دول العالم، فمن سيلتزم؟ وما قدرته على ذلك؟ إذا القضية مرة أخرى هي قضية توازن اقتصادي على مستوى المجموعة وقضية الالتزام قصير المدى من أجل نمو متوازن طويل المدى لدول الأعضاء.
القضية في مجملها تشبه حفلة موسيقية تحتاج إلى قائد أوركسترا بارع والنشاز غير مسموح به هنا. لذلك فنجاح البنك المركزي يكمن في قدرته على إدارة عزف أقوى فريق لديه وأقوى آلاته. من هنا لم يكن مستغربا أن يتم اختيار الرياض مقرا للبنك المركزي. فالاختيار في المقام الأول قضية اقتصادية ويجب قراءتها وفقا لهذا النهج. فاقتصاد المملكة هو أكبر اقتصاد في دول المجموعة وهو الأمر الذي لا يحتاج إلى عرض الأدلة والبراهين. لذا فإن صوت هذا الاقتصاد – بحكم حجمه – سيعلو على بقية الأصوات. ولا بد لذلك من أن يكون تحت نظر البنك المركزي ومتابعته. فحركة هذا الاقتصاد في ظل الوحدة النقدية ستؤثر حتما في بقية أعضاء المجموعة وحفظ توازنه أمر مهم جدا لحفظ توازن البنك وباقي الاقتصاديات ضمن الوحدة. ليس المقصود أن دولة المقر ستتمتع بمزايا غير تلك التي تتمتع بها بقية الأعضاء أو أنها ستنفرد بالبنك وقراراته في غياب باقي دول المجموعة, بل المقصود قرب البنك وإدارته من واضعي السياسات الاقتصادية في أكبر اقتصاد خليجي الأمر سيحدث تفاهما حاسما وسرعة في اتخاذ القرارات المصيرية بشكل أكثر مرونة مما لو كان في دولة أخرى.