إفلاس سياسة الاستقدام

عندما بدأت المملكة مشوار البناء في أواسط السبعينيات كانت القدرة الاستيعابية للاقتصاد السعودي محدودة جدا، ولذلك كانت هناك حاجة واضحة إلى فتح باب الاستقدام. صاحب ذلك التطور قصور في الصيغ النظامية وضعف في قاعدة المعلومات ونزعة استهلاكية لطبيعة البناء (الغالبية العظمى لم تستقدم لأغراض إنتاجية، بل لتأسيس البنية التحتية كاستهلاك غير مباشر أو استهلاك مباشر مثل المحال التجارية والخدمات الشخصية). مع الوقت وتعوّد النظام الإداري والعامة اختلطت الضرورة الاقتصادية مع ضعف الهياكل الإدارية لتصل إلى درجة معقولة من الفوضى. من منظار اقتصادي بحت أتى الاستقدام لزيادة القدرة الاستيعابية بما في ذلك رفع درجة التقنية والمعرفة في الفعاليات الاقتصادية. ولكن في ظل انغماس اقتصاد المملكة في النواحي الريعية تحول الاستقدام إلى إحدى أدوات الاستهلاك وحتى التجارة، وبذلك وصلنا إلى مستوى جديد من الفوضى العمالية وعتمة حول أي رؤية لتطوير القوى البشرية. قمتها حينما أصبح المستقدم يستقدم، والكل يستفيد من اقتصاد ريعي تقدم فيه الحكومات خدمات بأسعار زهيدة لكل من هب ودب.
تتضح لنا معالم نموذج اقتصادي فريد، فهناك تطابق في المفهوم الاقتصادي: اقتصاد مبني على مصروفات حكومية عالية في قلبه خدمات غير مسعرة اقتصاديا وسياسة عمالية مرادفة تخدم هذه الماكينة الاقتصادية (الاستهلاكية). هذا النموذج تطور بمعزل عن الأهداف المقبولة للاستقدام واستطاع إيجاد من يدافع عنه بوعي أو بغير وعي، تأصّل هذا النموذج وقد لا يستطيع أحد تغييره جذريا. هذا النموذج يضر بالاقتصاد من خلال نواح استراتيجية، فهو يجعل من الاقتصاد السعودي قناة لتحويل مليارات الريالات سنويا، ويزيد من تكلفة أسعار الخدمات والمنافع المقدمة من الحكومة. وأخيرا ولعله الأهم، يجعل الشاب والشابة السعوديين في منافسة غير عادلة مع الوافد والوافدة.
تداخل حاجة المملكة إلى العناصر البشرية الوافدة وضعف إنتاجية الغالبية من سعوديين ووافدين وهشاشة الهياكل المؤسساتية وتزايد أعداد السكان والخريجين ونمو اقتصادي لا يواكب هذا النمو، تجعل من إهمال السياسة البشرية مصدر قلق. أحد أعراض مشكلة الاستقدام يأتي مع عملية التخصيص، حيث تتجه الشركات لتوظيف "أرخص" عناصر ممكنة وهذه غير وطنية وبالتالي يكون التخصيص - في جزء مهم - عملية استقدام مبطنة.
تأتي أهمية الاستقدام في ثنايا التحدي التنموي وقلة الاختيارات لنماذج وسياسات بديلة.
لا نسعى هنا إلى تقديم حلول مبسطة لمسائل متداخلة ومعقدة ولكن الأخطر والأدهى أن تترك لعل الزمن يحلها. يعرف الجميع أن الزمن سوف يراكم العيوب ويجعل من المشكلات البسيطة عيوبا هيكلية تتطلب قرارات سياسية للتعامل معها. ولعل البعض يقول لقد وصلنا إلى هذه المرحلة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي