"اللحظة الحاسمة" الاختبار الحقيقي للإجراءات الإدارية
لا شك أن الكفاءة والفاعلية قيمتان أساسيتان في تقييم العمل الإداري، الأولى معنية باستخدام الموارد استخداما أمثل، والثانية تقيس إلى أي مدى تم تحقيق الهدف، إلا أنه وفي ظل المتغيرات الكثيرة والكبيرة والمتسارعة يتطلب الأمر تقييما أكثر شمولية وإبداعا بحيث لا يُكتفى بالنظر إلى الاستخدام الكفء للموارد وإلى أي مدى تم تحقيق الهدف، وإنما هل الهدف الذي يُسعى لتحقيقه مطلوب اقتصاديا واجتماعيا ويستحق الموارد التي خُصصت من أجله؟ هذا تطبيق لما يُسمى الدورة التعليمية المزدوجة، أي أن الإفادة المعاكسة (المعلومات المرتدة) لا تقف عند حد التحقق من الوصول إلى الهدف، وإنما هناك دورة أخرى من المعلومات تُقيم الهدف ذاته وتحدد صلاحيته من عدمه، بل عند مراحل متقدمه من النضج الإداري يصبح من الضروري النظر إلى ما يجب عمله وتقديمه من منتجات وخدمات، ليس من خلال ما يقرر داخل المنظمة باتجاه جمهور المستهلكين الذين يقبعون خارجها كما هو المعتاد بحيث توضع الاستراتيجيات وتقرر السياسات وتحدد المشاريع من وجهة نظر المنظمة حتى وإن كانت معتمدة في صياغتها على استقصاء الجمهور ومستخدمي الخدمة، فذلك لا يتعدى كونه ردة فعل، وإنما يكون التوجه في اختيار المنتجات من خلال عيون المستهلك أو مستخدم الخدمة، أي يكون اتجاه صُنع القرار من خارج المنظمة إلى داخلها، بحيث يكون الزبون أو مستخدم الخدمة منطلق صُنع القرار ومحوره الأساسي الذي تدور حوله عملية الإنتاج أو القرار العام. هذا لا يعني أن تسعى المنظمة إلى التعرف على أذواق وميول ورغبات الجمهور كردة فعل، ولكن أن تضع المنظمة نفسها مكان الزبون ويتحول القائمون في المنظمة بتفكيرهم من أصحاب قرار إلى لعب دور الزبون بحيث يفترضون لو كانوا زبائن ماذا ستكون رغبتهم وكيف ستكون ردة فعلهم تجاه ابتكار منتج جديد لم يعهد من قبل. الهدف هنا ليس زيادة حصة المنظمة من السوق أو تحسين الخدمة العامة وحسب، ولكن تغيير نمط الاستهلاك وأذواق المستهلكين، أي أن المنظمة تستبق المستهلكين ومستخدمي الخدمة بتقديم ما لم يكونوا يتوقعونه وأخذهم إلى مستويات أعلى من الرضا النفسي وتحقيق احتياجاتهم، وقبل ذلك خلق ذلك الاحتياج الذي لم يكن موجودا أصلا! وفي هذا السياق يمكن الاستشهاد بقول لهنري فورد منتج أول سيارة اقتصادية في العالم عبر خط الإنتاج الوفير في بداية القرن الماضي، يقول فورد لو كنت سائلا الناس حينها ماذا تريدون لأجابوا: "عربات متينة تجرها خيول قوية"! وكأنما لسان حاله يقول لو كنت أطعتهم ولبيت رغباتهم وحصرت نفسي في أذواقهم لما قمت بإنتاج السيارة وبكميات وفيرة. ومعنى ذلك أن المنظمات الحية يجب أن تكون مبادرة سباقة في التفكير خارج الصندوق والإطار المعتاد، وأن تحدث تغييرا في ذوق المستهلكين، فكما يقول بعض الاقتصاديين: العرض في بعض الأحيان يخلق طلبة. هناك أمثلة كثيرة لسلع لم نعد نستغني عنها غيّرت نمط الاستهلاك وأثرت في السلوك الاجتماعي، مثل التلفزيون والمذياع والهاتف والمكيف وحتى المشروبات الغازية وقوارير المياه والوجبات السريعة وغيرها كثير. هذه السلع لا غنى لأحد عنها مع أنها لم تكن متاحة قبل أربعة عقود في مجتمعنا ولم تخطر لنا ببال! إنه التفكير الاستباقي الإبداعي للمنظمات الذي يؤدي إلى خلق أوضاع واحتياجات اجتماعية جديدة وثقافة استهلاكية لم تعهد من قبل.
هناك مَن يعتقد أن تطوير الإجراءات شكليا بتطبيق تقنية المعلومات في المنظمات الخاصة والعامة سيقود إلى زيادة الإنتاجية وتحقيق الإنجازات. والحقيقة أن التقنية ما هي إلا وسيلة ووعاء لنقل المعلومات، فمهما بلغنا من مستوى في تقنية المعلومات فلن نحرز أي تقدم ولن نصنع الفرق إذا لم تكن إجراءات العمل سهلة سلسة وتستجيب لمتطلبات الجمهور. إن التركيز على التقنية دون تطوير جوهري للإجراءات الإدارية سيقود إلى استبدال تراكم المعاملات ورقيا إلى تراكمها إلكترونيا! وهنا يأتي مفهوم "اللحظة الحاسمة" اللحظة التي عندها يتبين نجاح أو فشل النظام الإداري في أداء المهمة المنوطة به. أي هل ستؤدي الإجراءات إلى الإنجاز وتحقيق التأثير المطلوب؟ إن العبرة بالنتائج ويختزل ذلك المعنى المثل الشعبي "ما لي إلا ولد يقرأ" أي لا يهمني كزبون أو مراجع التفاصيل التنظيمية ولكن المهم تحقيق النتيجة بأفضل طريقة وبأقل تكلفة ووقت وجهد وبأعلى جودة. في كثير من أوضاعنا الإدارية نواجه تلك "اللحظة الحاسمة" التي تضع جهودنا على المحك وتبين مدى صحة افتراضنا في أنها ستؤدي إلى التأثير المطلوب. ليس المهم - على سبيل المثال - الحرص على وضع إجراءات مطولة ونظم معقدة ظنا أن ذلك سيحقق أفضل خدمة للزبون أو المراجع، وإنما هل هي بالفعل وفي الواقع العملي تجتاز امتحان التطبيق وتنجح في منح الزبون ما يصبو إليه؟! على سبيل المثال عندما تفشل بعض الأجهزة الحكومية في إنجاز مهامها على الرغم من الموارد المخصصة لها والإجراءات البيروقراطية المتبعة والإدارات والأقسام المزدحمة بالموظفين، فإنها لم تصمد أمام "اللحظة الحاسمة". عندما لا يصل الدفاع المدني في الوقت المناسب ويقوم بما يلزم حسب معايير مهنية ويحترق المبنى بمن فيه، لم يصمد أمام "اللحظة الحاسمة"! أو عندما لا تؤدي العملية التعليمية إلى الارتقاء بفكر وميول وسلوك الطلاب لم تصمد في "اللحظة الحاسمة"! وإن يفشل المستشفى الحكومي في تقديم الخدمة التي تخفف من معاناة المريض أو إنقاذ حياته بكل تأكيد لم يصمد في "اللحظة الحاسمة"! والأمثلة كثيرة بعدد الأجهزة الحكومية وأنشطتها. وإذا لم تصمد الأجهزة الحكومية أمام اللحظات المفصلية الحاسمة فلا يهم كم من الموارد خُصصت وكم من الجهود بُذلت وكم من الأنظمة وضعت، ولا كم من الخطط صِيغت حتى النيات الطيبة لا تهم، كل ذلك يصبح هباء منثورا. هذا يحتم النظر للإجراءات من منظور أوسع وأشمل قبل الخدمة وبعدها وليس فقط أثناء تقديم الخدمة، وإعادة التفكير في مشاريع وسياسات التنمية الإدارية والتحول من تطوير النظم الحالية داخل التنظيمات البيروقراطية إلى محاولة إعادة صياغة نظام الإدارة الحكومية على المستويات الوطنية والمناطقية والمحلية بالتأسيس لمجالس نيابية تراقب البيروقراطيات وتكسر احتكارها، وحينها نستطيع ضمان الارتقاء بمستوى الأداء الفعلي والمؤثر للعمل الحكومي، وأن يصمد في "اللحظة الحاسمة".