رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الحديد والأسمنت ومتاهات الاقتصاد السعودي

لا أعرف لماذا يبدو الأمر مقنعا ويمكن فعلا نقل البيض إلى السوق بعربة عجلاتها مربعة طالما يمكن للاقتصاد أن يسير كذلك. كيف لا يمكننا صناعة سيارة تسير بعجلة مربعة وأخرى مثمنة وثالثة مثلثة والرابعة غير موجودة؟ كيف لا يمكننا ذلك بينما الاقتصاد ككل يستطيع أن يسير كذلك؟ لا أتحدث عن بلاد العجائب في قصة "أليس" ولكن عن اقتصادنا الحبيب. في اقتصادنا كل هيئة أو وزارة تعمل وفق منهج اقتصادي خاص بها تماما منعزلة عن باقي قطاعات الاقتصاد. بل الأعجب أن الهيئة أو الوزارة نفسها تعامل كل صناعة بطريقة مختلفة حتى فقدنا قدرتنا على فهم مسيرتنا الاقتصادية وتحديد جوهرها. هل نحن اقتصاد سوق أم موجه أو أننا بين البينين؟ وهل نميل لتوجيه مركزي أم ليبرالية اقتصادية أم أنا عدنا إلى ما قبل عصر الرأسمالية وإلى المركنتليه. كل ذلك موجود لدنيا ويمكن تفسير اقتصادنا وفقا لهذه المدارس جميعها حتى لكأنك تنظر إلى عدد هائل من العجلات والمسننات ليس بينها علاقة سوى أنها في صندوق مكتوب عليه الاقتصاد السعودي.
كيف يكمن أن نفسر - اقتصاديا - قرارات وزارة التجارة وهي تعامل قطاع الحديد بشكل مختلف عن قطاع الأسمنت، بينما نعرف جميعا أن الأوضاع الاقتصادية لهاتين الصناعتين متشابهة إلى حد بعيد. فأرباح شركات الأسمنت والحديد خيالية جدا في السوق السعودية وهناك احتكار والمنافسة محدودة جدا، بل هناك قيود كبيرة على المنافسة الأجنبية. هناك حماية مبالغ فيها لهاتين الصناعتين أكثر مما يجب لحماية الاقتصاد الأمر الذي منح هذه الشركات الفرصة لتعمل بالطاقة القصوى وتحقق النمو حتى أعلى حد تمكنها أصولها وطاقتها المتاحة من تحقيقه فلم يبق أمام هذه الشركات إلا الاستفادة من وضعها الاحتكاري لترفع الأسعار وتحقق نموا في الأرباح والمبيعات لا يعكس حقيقية الطلب والصناعة، بل وصل الأمر إلى الضغط الهائل على المواطن البسيط وغير البسيط حتى تدخلت وزارة التجارة وقامت بمنع التصدير في كلتا الصناعتين لتهدأ الأسعار بعدها. ما يدهشني الآن هو القرارات الأخيرة التي أصدرتها الوزارة في تعاملها مع هذين الطرفين. فقد سمحت الوزارة بالتصدير مرة أخرى رغم أن السوق الداخلية لم تهدأ تماما ولم تتضح معالمها ولم تزل الشركات تمارس سلوكا احتكاريا واضحا جدا وعلنيا في تحديدها للأسعار بعيدا عن آليات العرض والطلب. لكن الحال مختلفة قليلا في موقف الوزارة، حيث اشترطت على شركات الأسمنت أن يتم تحديد السعر للسوق المحلية بعشرة ريالات - هنا سوق موجهة نوعا ما. في المقابل وافقت الوزارة على إعادة تصدير الحديد دون شرط أو قيد وكأنها ترفع شعار اقتصاد السوق فلماذا هذا التفاوت غير المبرر أم أن الوزارة خضعت لضغوط تجار الحديد وتهديدات شركة الاتفاق بفصل الموظفين السعوديين بحجة الأزمة والأسعار واستعطافها مرة أخرى لفتح التصدير لارتفاع تكلفة المخزون؟
في جانب آخر، من الصورة نجد وضعا وممارسة مختلفة. فوزارة التجارة لا تلقى بالا لما يحدث في سوق المواد الغذائية من احتكار سواء في الألبان ومشتقاتها أو في الأرز والاتفاقيات الاحتكارية للتجار تحت مظلة الغرف التجارية. والأشد مرارة هو الدعم الزائد عن اللازم لصناعة السكر حتى اختفت المنافسة في السوق وأصبحنا نشهد سوقا احتكارية سلمنا الله من فصولها الدرامية في قادم الأيام. كل هذه الاختلافات مصدرها وزارة واحدة فقط فكيف إذا تتبعنا قطاعات الاقتصاد كافة.
في سوق النقل الجوى "أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه". تخصيص واتجاه نحو السوق التنافسية أسوة بسوق الاتصالات، ومع ذلك فالعجلة تدور ببطء شديد جدا. تم فتح المجال لشركات جديدة لتدخل السوق ولكن الأمر يبدو مشروطا فلا تنافسية مسموح بها والمجالات الجوية محدودة، بل إن الشركات التي تم إشراكها في السوق لا تستطيع المنافسة بشكل قوى مع الشركة المحتكرة ولتبقى السوق مغلقة أمام شركات ذات باع طويل في هذا المجال. أقصد أن هناك تمايزا غريبا بين ما حدث في سوق الاتصالات وسوق النقل الجوي فبينما كان على شركة الاتصالات أن تواجه منافسة هائلة من شركات قوية جدا وذات خبرات طويلة، وكان عليها أن تتحمل تركة ضخمة من أصول الهاتف السعودي نجد أمرا مختلفا في سوق النقل الجوي ففتح السوق مشروط. هنا تظهر الاختلافات الحادة بين عجلات الاقتصاد حتى تختفي معالمه تماما. نعم نقبل بعض الحماية لبعض الصناعات لكن ليس بهذا الشكل غير المبرر والذي لا يمكن تفسيره بمجرد قراءة التوجه الاقتصادي العام للدولة ككل.
ليس هنا فقط يتحرك الاقتصاد بعجلات مختلفة الأشكال والأحجام ولكن يظهر العجب بين وزارة العمل والزراعة. فالعمل تصر على السعودة وهذا معناه حماية اقتصادية للعامل السعودي مقابل العامل الأجنبي وهي حماية مقبولة اقتصاديا، ولكن في المقابل لا نجد حماية في سوق المنتجات الزراعية وهو الأمر الذي خلق سوقا لا يمكن فهمها. ففي المزارع جنوب المملكة تعمل وزارة العمل وكذلك المديرية العامة للجوازات بحدة لتقننين العمالة الأجنبية وفرض السعودة على المزارع، وهذا طبعا سيرفع من تكاليف الإنتاج الزراعي على المزارع السعودي لارتفاع الرواتب وندرة العمال، وفي الوقت نفسه تقوم وزارة الزراعة بفتح السوق بكاملها ودون قيود أمام المزارع اليمني (عامل أجنبي)، والذي لا تبعد مزعته عن المزارع السعودي عدة كيلومترات.. هناك في الجانب الآخر من الحدود عمالة رخيصة وإنتاج كبير وفي داخل الحدود تشدد الرقابة على العمالة وترتفع التكاليف بشكل حاد والجميع بيع محصوله في السوق السعودية بشكل تنافسي وحر. الحقيقة لم أعد أعرف أي المزرعتين تمت حمايتها من العمالة الأجنبية ومن الذي استفاد من هذه القرارات هناك. بالمقابل فإذا ذهبت لتشتري الحديد أو الأسمنت من مورد محتكر يشتري من شركة سعودية محتكرة والجميع يحقق في هذه السوق أرباحا خيالية، فإنك ويا للمصادفة، لا تجد سعوديا يبيعك في هذه الصناعة المحمية بشكل كبير. لا أناقش ما هي الوجهة السليمة؟ وأي الفريقين أحق أن يتبع؟ بل أريد توجها أستطيع أن أقيس عليه ويمكنني من التنبؤ أين سيكون الاقتصاد السعودي في قطاعاته المختلفة في السنة القادمة؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي