تصاعد استهلاك المملكة من الطاقة

شهد استهلاك الطاقة في المملكة نمواً قوياً خلال الـ 40 عاماً الماضية. وكانت المملكة شأنها شأن معظم الدول النامية في الستينيات من القرن الـ 20 تستهلك كميات قليلة من مصادر الطاقة. ولم يتجاوز حجم استهلاك المملكة من المنتجات النفطية والغاز الطبيعي والمسال 14.2 مليون برميل في عام 1969م أو (ما يعادل متوسط استهلاك يومي مقداره 39 ألف برميل). ويقدر سكان المملكة في ذلك الوقت بنحو ستة ملايين نسمة وهو ما يعني أن معدل استهلاك الفرد في العام يزيد قليلاً على برميلين، وهذا المعدل كان منخفضاً مقارنةً بمعدلات استهلاك النفط العالمية في ذلك الوقت ولكنه كان قريبا من معدلات استهلاك الدول النامية. وشكلت المنتجات النفطية المكررة معظم استهلاك المملكة من الطاقة، حيث بلغت 13.8 مليون برميل في السنة أو 97 في المائة من إجمالي استهلاك الطاقة. أما استهلاك المملكة من الغاز الطبيعي فقد كان في حدود 400 ألف برميل في السنة أو نحو ألف برميل في اليوم. وكان معظم إنتاج المملكة من الغاز الطبيعي في ذلك الوقت يذهب هدراً ويحرق في الهواء بسبب انخفاض حجم الاستهلاك المحلي من الغاز وعدم توافر القدرة على استغلاله لأغراض التصدير.
ويعود تدني معدلات استهلاك الطاقة في ذلك الوقت إلى انخفاض مستويات التنمية والأنشطة الاقتصادية. كما يعود إلى انخفاض معدلات دخل الفرد السنوي التي لم تتجاوز 3500 ريال، ومع أن هذه المستويات من الدخل لم تكن سيئة مقارنةً بمستويات الدخل السائدة في ذلك الوقت إلا أنها لم تتح للسكان تملك قدر كبير من وسائل النقل والأجهزة المنزلية الحديثة. وكانت حركة التنقل منخفضة مقارنةً بالوقت الحالي فلم تتوافر الطرق بالكثافة الموجودة الآن ولم تغط الطاقة الكهربية الجزء الأكبر من أرجاء البلاد الواسعة. كما أن معدلات أسعار المنتجات النفطية والغاز الطبيعي كانت مرتفعة مقارنةً بدخل الفرد في ذلك الوقت. وعموماً اتصفت كثافة استهلاك الطاقة للناتج المحلي بالانخفاض الشديد بسبب انخفاض مستويات التنمية والمعيشة وليس بسبب ارتفاع كفاءة استخدام الطاقة.
وقد شهدت فترة الـ 40 عاماً الماضية ارتفاعا حاداً في معدلات نمو استهلاك الطاقة سواءً كانت على شكل منتجات نفط مكررة أو غاز طبيعي أو مسال. وتعود أسباب النمو إلى تسارع خطى التنمية الاقتصادية والنمو القوي في معدلات الناتج المحلي الإجمالي. فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 69 مرة، وارتفعت معدلات الناتج المحلي للفرد بنحو 17 ضعفاً خلال الفترة مما دفع بقوة، مستويات استهلاك الطاقة على المستوى الأسري أو في القطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية والخدمية. وأسهم أيضاً ارتفاع مستويات التنمية الاجتماعية والتوسع الكبير في الخدمات الحكومية التعليمية والصحية في رفع مستويات استهلاك الطاقة. كما رفع التطور الكبير في النقل البري والجوي والبحري الطلب على الطاقة. وأسهم النمو السكاني الكبير في دفع الطلب الكلي على الطاقة، حيث تضاعف سكان المملكة نحو أربع مرات خلال 40 عاماً الماضية.
وبعد 38 عاماً وصل إجمالي استهلاك المملكة من المنتجات النفطية المكررة والغاز الطبيعي والمسال في عام 2007م وكما تورده بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي إلى 1018.7 مليون برميل أو ما يعادل 2.8 مليون برميل يومياً. ويبلغ استهلاك المنتجات النفطية المكررة نحو 563.8 مليون برميل في العام أو ما يعادل 1.55 مليون برميل يومياً، بينما يبلغ استهلاك الغاز الطبيعي وسوائل الغاز نحو 454 مليون برميل في عام 2007م وهو ما يعادل معدل استهلاك يومي مقداره 1.25 برميل يوميا. وهذا الاستهلاك يشمل مشتريات الجمهور واحتياجات قطاع النفط الذي يستهلك كميات كبيرة من الطاقة لممارسة نشاطاته. وحتى بعد استبعاد استهلاك قطاع النفط من المنتجات النفطية والغاز فإن معدل استهلاك الجمهور من المنتجات النفطية بلغ 1.45 مليون برميل يوميا في عام 2007م، ومن الغاز الطبيعي وسوائل الغاز بلغ نحو مليون برميل يوميا. ويشمل الجمهور كل القطاعات الاستهلاكية الأخرى بما في ذلك القطاعات الإنتاجية والحكومية والاستهلاك الأسري. ولم تحدد بيانات المؤسسة كيفية احتساب كميات استهلاك الغاز الطبيعية ولهذا تم افتراض أن كميات الاستهلاك من الغاز حسبت بالبراميل المكافئة من النفط، حيث يساوي برميل النفط 5.5 آلاف قدم مكعب من الغاز الطبيعي تقريباً. لقد تصاعد استهلاك المملكة من الطاقة بمعدلات قوية خلال العقود الأربعة الماضية قلما شهده اقتصاد آخر في العالم. ويعود النمو الكبير بالدرجة الأولى إلى التقدم التنموي الذي شهدته المملكة وتصاعد معدلات الدخل إضافة إلى المحافظة على تدني أسعار المنتجات النفطية التي ارتفعت في جميع أرجاء المعمورة ماعدا أماكن قليلة أهمها المملكة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي