التطاول في المساكن (2 من 2)
حدثتكم في الأسبوع الماضي عن النقاش الذي دار بين عدد من المدعوين في مسكن أحد الزملاء حول كبر مساكننا والمبالغة في مساحتها وكثرة عدد عناصرها وغرفها. ذكرت لكم بعضاً مما أوردت لهم في نقاشي من مقارنة بين ما يخصص من مساحة لكل فرد في المسكن السعودي مقابل ما يخصص من مساحة للفرد في المسكن السنغافوري بناء على المساحة الإجمالية للمسكن وعدد أفراد الأسرة، وأن المساحة المخصصة للفرد الواحد لدينا تبلغ ما يزيد على ستة أضعاف المساحة المخصصة للفرد في سنغافورة وأوردت لكم رد أحد المشاركين في النقاش على مقارنتي؛ بأنها لا تصح لاختلاف العادات الاجتماعية والتقاليد بيننا وبينهم، واستشهاده كذلك بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي ورد فيه "أن من سعادة المرء المسكن الواسع".
وأعود الآن لتفنيد هذا الموضوع، والرد عليه، فحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - حق بلا شك ولا ريب، ولكن اتساع مساحة المسكن قضية نسبية، فالمسكن قد يراوح بين غرفة واحدة أبعادها متران في مترين، ومساحتها أربعة أمتار مربعة، ليصل إلى فيلا مساحتها آلاف الأمتار المربعة. لفهم الحديث الشريف بشكل صحيح ضمن حدود النسبية المعقولة يجب أن نراجع مساحة المباني في عصر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأبعاد مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومساحته في صدر الإسلام لم تزد على (30x 35 = 1050 م2)، ومسجده - صلى الله عليه وسلم - أهم وأكبر مبنى في المدينة المنورة، ويستخدمه جميع المسلمين للصلاة والاجتماع، وقد ألحقت به غرف زوجاته ـ رضي الله عنهن.
أما حجة اختلاف العادات والتقاليد فليست مبرراً لوجود كل هذه المبالغة في المساحات وفي أعداد الغرف والعناصر في مساكننا، فحجم المسكن وعدد عناصره ومساحتها يجب أن يحدد بالاحتياج الوظيفي الحقيقي لأفراد الأسرة، وحسب طريقة استخدام الفراغات، وأسلوب تأثيثها.
والمبالغة في مساحة المسكن بعذر اختلاف تقاليدنا واحتياجاتنا الاجتماعية عن بقية الشعوب على وجه الأرض؛ هي من العوامل الأساسية في عدم توافر المساكن الصغيرة ميسورة التكلفة في سوق الإسكان لدينا، وفي جعل الحصول على المسكن وامتلاكه صعباً بشكل متزايد على عدد كبير من الأسر ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة، خصوصاً في المدن الرئيسية. كما أن التكاليف الإضافية المصاحبة للمبالغة في كبر حجم المسكن تدفع بكثير من الملاك - في مرحلة التنفيذ - إلى اختيار مواد بناء رخيصة وذات جودة متدنية، وهو ما يؤدي إلى خفض مستوى جودة المسكن، ومن ثم قصر عمره الافتراضي، وهو ما يؤدي - من ثم - إلى هدر كبير في اقتصادنا الوطني.
وتؤثر تكلفة المسكن الأكبر من احتياج الأسرة كذلك في تكلفة تأثيثه والعناية به وصيانته بشكل مستمر على مر السنين، فمن الصعب - بل من المستحيل - على سيدة المنزل العناية بمسكن تصل المسطحات المبنية فيه إلى ما يقارب ألف متر مربع أو أكثر، وتنظيفه بنفسها دون الحاجة إلى استقدام "خادمة" أو أكثر لمساعدتها على القيام بهذه المهمة، وتعد رواتب هؤلاء "الخادمات" تكاليف مالية مستمرة، كما أن إدارتهن معاناة يومية لا يمكن إنكارها أو تناسيها. وتضيف تكاليف فاتورة الكهرباء الخاصة بالإضاءة والتكييف للمسكن الكبير مع بقية الأجهزة الكهربائية عبئاً آخر على ميزانية الأسرة.
كما أن توافر الغرف الكثيرة في المساكن الكبيرة يؤدي إلى حصول كل ابن أو بنت - في الغالب - على غرفة نوم مستقلة بحمامها الخاص، وربما مع غرفة ملابس خاصة، تمكنه أو تمكنها من العيش في استقلالية تامة للنوم والجلوس ومشاهدة التلفزيون وتصفح شبكة الإنترنت على جهاز الحاسوب الخاص بعيداً عن بقية أفراد الأسرة. وهذا يقود إلى تفكك الأسرة، ويجعل كل فرد من أفرادها في معزل تام عن البقية، فأين الحياة الأسرية في هذه الحالة؟! وأين روح الأسرة؟! وأين العشرة والأنس بأفرادها؟! وكيف يمكن للوالدين تربية هؤلاء الأبناء وتوجيههم ونقل الخبرات إليهم؟! وبعد كل هذا التطاول في بنيان المساكن، وما يجره من مشكلات أسرية؛ نتساءل مستغربين: ما بال جيل اليوم؟!