"يوم المزارع".. ومفهوم جديد لإدارة المدن السعودية
قد تبدو بعض الأفكار الإبداعية التجديدية التي يقدمها قياديون في القطاع الحكومي في ظاهرها صغيرة، سهلة، وبسيطة، ولكنها في واقع الأمر تحمل في طياتها معاني إنسانية عظيمة ورؤية وفلسفة جديدة في التعامل مع الشأن العام ومدلولا يؤكد الاهتمام ويمنح الأولوية لرعاية مصالح الناس وتحقيق طموحاتهم وآمالهم، ولا أبالغ، فلربما غيرت مفهوم الإدارة الحكومية ودورها في المجتمع وعلاقتها مع المواطنين، وسلكت بالموظفين العموم مسلكا جديدا في التفكير والميول والسلوك، وارتقت بالمجتمع درجات أعلى في السلم الحضاري. هذه الأفكار لا يستطيعها إلا قياديون متميزون يملكون فكرا مستنيرا ورؤية واضحة وضميرا حيا وعلما عميقا ودراية بالواقع وعملا مخلصا ورأيا بعزيمة وقيادة بتواضع وخلقا كريما, وأهم من ذلك كله حب الناس والسعي فيما ينفعهم. إنه الوعي التام بقضايا وهموم المواطن العادي والاهتمام لأمره وتطويع الآلة البيروقراطية الضخمة لخدمته وكبح جماحها وضبطها وترويضها لتكون من أجله كما أُريد لها وليس العكس! إنه التحدي الكبير في إعادة البيروقراطية لمسارها الصحيح بعدما تاهت الطريق في خضم الإجراءات البيروقراطية الورقية العقيمة! وليصبح مرة أخرى المواطن العادي واحتياجاته المعيشية اليومية وقضاياه ومشاكله وطموحاته وتطلعاته البسيطة محور العمل الحكومي وليتصدر قائمة الأولويات بعدما كان خارجها! إنه ربط المشاريع والسياسات والخدمات بالمصلحة العامة، والتحقق من مدى استجابتها لمتطلبات المواطنين الحقيقية! وماذا عساها أن تقدم لتحسين أوضاعهم المعيشية؟! هذا يستلزم البحث الدائم عن حلول جديدة وعدم التوقف كثيرا عند مستوى معين من الإنجاز ومن ثم التراخي، بل التطلع لمرحلة أكثر تقدما ونضجا وعطاء، تضيف شيئا جديدا وتدفع نحو التطوير والمضي قدما على طريق التنمية الطويل والشاق لنحقق تطلعاتنا المستقبلية لوضع أفضل كل طالع شمس. إنه ذلك المزيج العجيب والخلطة السحرية والموازنة الحكيمة بين احتياجات ورغبات اليوم، وتطلعات وطموحات المستقبل، لنحقق بعد ذلك تنمية مستديمة متجددة لأجيال الحاضر والمستقبل. فلا خير في مشروع منتفخ أو إجراء مطول أو سياسة منمقة لا تقود لتحسين وضع المواطن العادي وترفع عن كاهله أعباء الحياة وتكاليفها وتوفر له سبل العيش الكريم وتهيئ له ولأبنائه مستقبلا واعدا تتحقق فيه آمالهم وتطلعاتهم.
أمانة منطقة الرياض ومبادرتها في تخصيص يوم للمزارع مثال حي للإدارة الحكومية الواعية لدورها التنموي، النشطة في تشكيل المجتمع المحلي اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا. إنها نموذج لإدارة المدن السعودية الناجحة، وسر نجاحها السعي الدؤوب في تحريك الموارد المحلية وتهيئة الفرصة ليتداخل جميع أطراف المجتمع المحلي في التنمية الاقتصادية دون استثناء وبغض النظر عن مستوياتهم الاقتصادية. مجهودات وإبداعات أمانة منطقة الرياض واضحة للجميع لا تحتاج إلى تعليق ولكن اللافت للنظر أنها متتابعة ومستمرة لا تتوقف ولو للحظة, وكأنما الأمانة في سباق مع الزمن لتحقيق الإنجاز الأكبر وهو أن تكون العاصمة الرياض أفضل مكانا، إنتاجا ومعيشة، وهو أمر قد يتعذر الوصول إليه كوضع مثالي ينشد التمام والكمال ، لأن وتيرة التغير متسارعة والتحديات والمستجدات تحاصرها من كل حدب وصوب وبالتالي استحالة ثبات الحال ليكون قدر الأمانة ألا تستريح ولا تستكين ولا تكل ولا تمل لتبقى الرياض تنبض بالحياة وتستمر على ساحريتها وجاذبيتها. الأمانة بمبادراتها الكثيرة وقدرتها على الاستجابة للمستجدات والإعداد المسبق ووضع حلول ناجعة مثل مشروع المماشي ومناطق التنزه والترفيه في الأحياء ومؤشر الأسعار وإنهاء التراخيص خلال 24 ساعة والحلاقة الآمنة ومهرجانات الربيع واحتفالات الأعياد (التي في حقيقتها تظاهرة ثقافية ومهرجان مسرحي)، وغيرها من المبادرات تؤكد أنها جهاز إداري مفعم بالحيوية ومتجدد الطاقة وأهم من ذلك منظمة تتعلم منفتحة بشفافية على المجتمع تؤثر وتتأثر به وتتفاعل مع الأحداث والمستجدات بل وتسهم في صناعتها، ولولا الأمانة لمكثنا دهورا لم ندر بها ولا بعض الأجهزة الحكومية التي تقع تلك المبادرات في صلب اختصاصها!
إن هناك رسالة قوية وواضحة بتبني الأمانة لـ "يوم المزارع" وهي أنها تهتم لشأن المواطن العادي مهما بلغت العاصمة الرياض من رقي حضاري وتقدم اقتصادي ومكانة سياسية وضمت بين جنباتها النفوذ والجاه والوجاهة. إنها رسالة موجهة لسكان العاصمة الرياض في أنها البيت الكبير الذي يضم الجميع بمختلف أطيافهم وأن هناك مصالح مشتركة ومترابطة ومتداخلة بينهم ما يحتم على الجميع أن يهتموا لأمر الجميع. إن "يوم المزارع" عنوان كبير لحرص الأمانة على تشجيع صغار المستثمرين الذين ربما يكونون قد تاهوا في غمرة الاندفاع نحو تكوين صناعات عملاقة والتأسيس لشركات ضخمة ولتؤكد وبصوت مرتفع أن هناك قطاعا غير رسمي يحتاج إلى الدعم والمساندة. الأمانة تسهم من خلال "يوم المزارع" وبطريقة ذكية وواقعية في معالجة مشكلة البطالة، إذ إن أفضل الحلول للمشكلات الاجتماعية هي تلك التي تنسجم مع متطلبات أفراد المجتمع وتنبع من قناعاتهم ومن داخل ذواتهم وبكامل حريتهم تستنهض هممهم وتحرك الحماس داخل نفوسهم. إن "يوم المزارع" هو في حقيقة الأمر غرس لقيمة العمل والجد والاجتهاد وتشجيع أولئك العصاميين والمبادرين لتحسين أوضاعهم المعيشية. لقد أحسنت الأمانة صنعا حينما كسرت احتكار الوسطاء في سوق المنتجات الزراعية الذين يقتاتون على جهد وإنتاجية وشقاء المزارعين الصغار فهيأت الفرصة للمزارعين لبيع منتجاتهم مباشرة للمستهلكين. وبهذا تكون قد أسدت خدمة عظيمة للمزارعين وللمستهلكين، فأرباح أكثر وخبرة ودراية بالسوق للمزارعين ومنتج طازج بسعر أقل للمستهلكين. هذا هو سر النجاح في خلق أوضاع مربحة للجميع. هناك جانب إنساني اجتماعي في تخصيص يوم للمزارع إذ يضفي صبغة الريف وما يحمله من قيم وعلاقات إنسانية فطرية عفوية نقية وصادقة على الحياة الحضرية المادية والتخفيف من حدتها وصلفها، وهذا في ظني يصب في اتجاه أنسنة المدينة.
إن مبادرات الأمانة عبر مشاريعها وسياساتها وخططها تُحقق أكثر من هدف ويكون لها تأثير واضح في الجوانب الاقتصادية الاجتماعية والثقافية. وهي في الوقت ذاته رد عملي على كل أولئك العاجزين الذين استولى عليهم الإحباط والنظرة التشاؤمية وصاروا يتخذون من ضيق الصلاحيات ذريعة للتوقف عن التفكير الإبداعي وعمل المزيد والأفضل. والحقيقة أن وراء إنجازات أمانة منطقة الرياض أمينها المبدع الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف الذي لا تملك إلا أن تَعجب وتندهش وتُعجب في آن واحد بما يقوم به ليس بحجم ما تحقق أو مستوى جودة ونوعية المشاريع الإبداعية التي قام بها وحسب، ولكن الطاقة المتدفقة والمتجددة والدافعية المستمرة والالتزام والحرص على عمل الأفضل كل يوم حتى لتخال من حماسه أنه قد عين للتو في منصبه الذي أمضى فيه أكثر من عقد. هذا ما يميز قياديا بحجم الدكتور ابن عياف في أنه يضيف للمركز الوظيفي كونه متخصصا في إدارة المدن وخبرة في التدريس الجامعي وتجربة عملية في العمل البلدي ورؤية إدارية ترتكز على أن سلطة المنصب للدعم والمساندة وتحريك الموارد وتفجير الطاقات الكامنة لدى الناس وليس للتحكم والسيطرة وتقييد الحركة والتفكير في حيز ضيق من الإجراءات الروتينية. "يوم المزارع" سيبقى محطة مضيئة يضاف إلى مبادراته العديدة النيرة والشجاعة التي تمثل نهجا جديدا في إدارة المدن السعودية، مبدؤه "العمل من أجل الناس" وليس من أجل البيروقراطية! ولا عجب فهو من مدرسة رائد الإدارة المحلية الأمير سلمان بن عبد العزيز باني الرياض الحديثة.