كراسي الجامعة ودور الخريجين
على الرغم من النجاح الذي حققته جامعة الملك سعود في تمويل المرحلة الأولى من برنامج "كراسي البحث"، هناك غياب واضح لخريجي الجامعات السعودية في دعم برامجها، ما يدعو لعمل مؤسسي يعيد صياغة العلاقة بين الطرفين.
من بين البشائر التي نستشرف من خلالها مستقبلاً واعداً للتعليم العالي في المملكة جاء إعلان جامعة الملك سعود في مطلع الأسبوع الجاري عن قائمة الشرف للمرحلة الأولى من برنامج "كراسي البحث" مقرونة بقائمة أخرى ضمت كوكبة من العلماء الحاصلين على جائزة نوبل الذين سيسهمون في الإشراف على الدراسات والأبحاث التي تعتزم الجامعة تمويلها من ريع تلك "الكراسي". وكنت قد كتبت من قبل مقالاً في "الاقتصادية" بتاريخ 5/5/1428هـ عندما أطلقت الجامعة برنامجها لتمويل البحث العلمي مبيناً أن تجارب الشعوب خلال القرنين الماضيين شرقاً وغرباً أثبتت أن التقدم الاقتصادي للأمم لا يدوم إن لم تسنده قاعدة متينة من أدوات البحث والابتكار في ظل نظام اجتماعي ينعم بالأمن والاستقرار.
ومن اللافت للنظر في البرنامج الذي أعلنته جامعة الملك سعود أن الاستجابة له كانت مميزة على الرغم من مضي أربعة أشهر فقط على انطلاقته، ما يدل على سلامة التوقيت وحسن الإدارة. لكن الرافد الأهم لنجاح البرنامج كان الدعم السخي بشقيه المعنوي والمادي الذي حظي به من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وسمو ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز. كما أن رؤية خادم الحرمين الشريفين لمستقبل التنمية في المملكة على أسس مستدامة والمبادرات التي تبناها في ذلك السياق بالتوسع في الإنفاق على برامج البحث العلمي، إنشاء جامعة متخصصة للأبحاث في مجالات العلوم والتقنية، وبرنامج الابتعاث غير المسبوق في حجمه، تشكل في مجموعها حوافز قوية لفعاليات المجتمع من رجال أعمال ومؤسسات وغيرهم للإسهام في تمويل برامج الجامعات السعودية.
لكن المال وحده لا يكفي لبناء قاعدة متينة للبحث العلمي، إذ إن ذلك يتطلب إرثاً متراكماً من المعرفة والسلوكيات يحتاج بناؤها وصقلها عقوداً من الزمن وهو ما ينبغي التنبيه إليه كي لا يصاب المجتمع بخيبة أمل في تطلعاته وآماله. بالطبع هناك آليات متاحة لاختصار عامل الزمن تحدثت عن بعضها في مقال سابق في "الاقتصادية" بتاريخ 4/1/1428هـ. من بين تلك الآليات بناء جسور دائمة للتواصل مع المؤسسات العلمية الرصينة على مستوى العالم باستضافة بعض علمائها بشكل منتظم للمشاركة في برامج الأبحاث في الجامعات السعودية، ما يضمن جودة ونوعية الأبحاث في تلك البرامج وفق معايير معترف بها في الأوساط المرموقة. ومن حسن الحظ أن جامعة الملك سعود تنبهت لهذا الجانب من البرنامج في وقت مبكر، إذ حرصت على استقطاب عدد من صفوة العلماء على مستوى العالم في تخصصات مختلفة لمساعدتها في تأسيس البرنامج على قواعد سليمة، وهي خطوة تُحمد للجامعة.
أعود لجانب التمويل وأقول إن هناك غيابا واضحا لخريجي جامعة الملك سعود في دعمها اللهم إلا ما ندر. إذ لو تفحصنا قائمة الشرف للمرحلة الأولى للبرنامج التي أعلنت عنها الجامعة لوجدنا أن عدد خريجيها من بين المتبرعين قليل جداً ربما لا يزيد على ثلاثة فقط، ما يشكل نسبة ضئيلة من المجموع. وهذا الرقم يؤكد ما ذهبت إليه في مقال سابق من أن الجامعات السعودية لم يبادلها خريجوها ما تستحقه من وفاء، ولم يشفع لها ما يملكه بعضهم من ثروات هائلة. لكن على الرغم من ذلك لا ينبغي للجامعات أن تتقاعس عن بذل المزيد من الجهد للتواصل مع خريجيها من خلال عمل مؤسسي يشعرهم بأهمية العطاء ومردوده عليهم ومجتمعهم.
إن خريجي الجامعات في المجتمعات الراقية يشكلون الركيزة الأساس لجامعاتهم ويأتي عطاؤهم لها في الصدارة سابقاً على شرائح المجتمع الأخرى من شركات ومؤسسات وغيرها، وأحسب أن الوقت قد حان لإعادة صياغة العلاقة بين جامعاتنا وخريجيها.