لقب أمير الشعراء .. بين الفزعة والنزعة
لقد أحسنت هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث في تبنيها المسابقة التي سمتها "أمير الشعراء"، واختتمتها قناة "أبو ظبي" الجمعة الماضي بتنصيب عبد الكريم معتوق من الإمارات، ومنحه هذا اللقب. أقول أحسنت لأنها ذكرتنا بأجواء الشعر ومجالاته وإبداعاته، وعرّفت المشاهد على كوكبة من الشعراء في الوطن العربي لم يكن ليعرفهم لولا هذه المبادرة التي أتت في زمن غاب فيه الشعر الأصيل عن المحفل، ولم يجد الشعراء الحقيقيون أفضل من الصمت والانزواء في زوايا الوطن العربي، يندبون ما آلت إليه أمتهم من وضع تداعت عليه الأمم بالشماتة حينا، والترحم أحيانا، ومن ثم فلا غرابة أن يصطنع معظم قصائد من تداعو إلى المسابقة بألوان الألم والحسرة على واقع الأمة، لأنهم لم يجدوا ما يفرح حتى يتغنوا به!
وكان يمكن لهذه المسابقة أن تكون أعظم شأوا، وأعلى شأناً، لو اجتهد منظموها في توفير الاستقلالية الكاملة لها، والنأي بها عن مظان الاستجداء والتكسب، والاستفادة من ذلك في اجتناب بعض الهنات التي تصاحب معظم برامج المسابقات في الوقت الحاضر، وكنت أحسب أنها، أي الجهة المنظمة، قادرة على ذلك، ولكن كما قيل (الزين ما يكمل)..!، أو كما قال الشاعر:
ولم أر في عيوب الناس عيبا مثل نقص القادرين على التمام
أما الهنات التي صاحبت هذه المسابقة، وانزعج لها كثير من محبي الشعر، فتأتي في مقدمتها الملحوظات الآتية:
1 ـ أن لقب أمير الشعراء، يعد لقباً مستحدثاً في العصر الحالي، ولم يكن له وجود في العصر الجاهلي وما تلاه، وإلا لكان أحق به أحد من طبقت شهرتهم الآفاق، رغم انعدام وسائل الاتصال والتواصل في عهدهم، أمثال المتنبي، ومع ذلك، فقد سبق أن فاز به وانتزعه عن جدارة أمير الشعراء في العصر الحديث، أحمد شوقي، فهل يعني منح اللقب لغيره، من خلال برنامج تلفزيوني، انتزاعه منه!؟ وهل ثمة من يستطيع ذلك؟! وانطلاقا من هذه الملحوظة فلم يكن من المقنع لنا تسمية المسابقة أمير الشعراء، ولو جاءت باسم آخر كان أولى.
2 ـ أن اللقب، مهما يكن، ينبغي أن يستمد أحقيته من إرث شعري غزير ومتنوع، لا يقتصر على الكتب المطبوعة، أو القنوات التلفزيونية، وإنما يختزنه الناس في وجدانهم، ويتمثلونه في حياتهم، ويتعلم منه الطلبة في مدارسهم، ولذا فلم يكن كافياً، لخلع اللقب، الاكتفاء بإسماع قصائد معدودة في البرنامج، ربما تكون قيلت في مناسبته، ومن أجلها، دون أن يكون من ضمن عناصر التقويم قياس مدى تآلق الناس مع شعره، وتأثرهم به، وتأثيره في قضاياهم، وبالتالي فإن الناس لم يعرفوا ويتفاعلوا قبل البرنامج، وعلى مستوى الوطن العربي، على أي من الشعراء الذين دخلوا المسابقة، مثلما عرفوا شاعرا مثل بدر السياب، نازك الملائكة، وحافظ إبراهيم، دون أن يدخلوا مسابقات! أفلا يكون هؤلاء أحق ممن استمعنا إليهم باللقب والجائزة؟
3 ـ اعتماد التقويم في جزء كبير منه، على أصوات غير ذوي الاختصاص، سواء من الجمهور المسرحي الموجود في استوديو البث، أو من المشاهدين عن طريق الهواتف والرسائل، فيه تعدّ على مبدأ الحياد والاستقلالية، ومدخل إلى الطعن في نتائج المسابقة، وانتقاص من حق لجنة الحكام، التي اكتفت، مجبرة، من العلامة بالنصف، وما ذلك كله إلا بسبب الرغبة في الكسب المادي، قاتل الله المادة، لتمويل البرنامج، وكأن تبعة التمويل تقع على عاتق الجمهور، وليس الجهة المنظمة.
4 ـ لم يحاول منظمو البرنامج الاستفادة من الخطأ الكبير الذي وقع فيه برنامج قبلهم هو "شاعر المليون" من جهة إذكاء نزعة العصبية الإقليمية والقبلية في التداعي والتنادي للتصويت للمرشحين اعتمادا على الانتماء والعنصر, بصرف النظر عن الأهلية والجدارة. ولكن أنّى لشعوب تحاصرها الأمية والفقر أن تعطي للجدارة معنى؟ ويأتي هذا الخلل كعيب كبير يقلل من قدر البرنامج, ولا يعفي القائمين عليه من التبعات لمجرد أن البرنامج الآخر فعلها, لأنه قد يكون فعلها تحت ذريعة أنه يتعامل مع الشعر الشعبي, الذي يكثر مؤيدوه ومتذوقوه في الأوساط العامية, أما برنامجنا فهو متخصص للذواقة من علية المثقفين.
ومن ثم فلا غرابة أن كان ثمة سباق محموم خلال الأسبوع الماضي بين وسائل الاتصال والقنوات الفضائية, تدعمه تسهيلات مقدمة من بعض الهيئات وربما الدول لدعم مواطنها, وهو ما قلنا إنه يلقي ظلالا على منظومة المسابقة ككل.
5 ـ لم يكن ثمة حاجة كبيرة (في نظري) إلى ذلك الزخم الهائل من الألوان والأضواء والاختلاط بينها وبين ازدحام المكان بقطع الأثاث والديكور وكثرة الأعتاب التي كاد يتعثر بها المتسابقون, وكدنا نفقد بسببها متعة المتابعة, كما لم يكن هناك داع البتة لإصرار مقدم البرنامج على إغضاب سيبويه 20 مرة في كل حلقة, على مرأى ومسمع من لجنة الحكام, في محفل من محافل اللغة العربية, إذ كان يكفي تنبيهه إلى ذلك بعد الحلقة الأولى ليتلافى الوقوع في أخطاء قل أن يقع فيها من تخطى المراحل الأولى من الدراسة, بيد أنني كنت ممن يغبط لجنة الحكام على صبرها وتحملها.
6 ـ الشيء الذي لم أجد له في نفسي قدرا من الاستساغة هو حشر عنصر الغناء الشعبي, ولا أقول الفن" في البرنامج, فلم يكن ثمة علاقة بين البرنامج, رسالة ومحتوى, وبين الغناء باللهجة العامية, ولو اقتصر ما قدم على بعض القصائد الفصحى المغناة لقلنا إن ثمة رابطة بين ذلك وبين فكرة البرنامج.
7 ـ لقد كانت لجنة التحكيم العنصر الأكثر إشراقة وقيمة في البرنامج, فقد استطاعت الجهة المنظمة اختيار نخبة, أحسب أنها تأتي في المقدمة من مثقفي الوطن العربي, تأهيلا وخبرة, رغم أنها لم تسلم من تلميحات من بعض المتسابقين بإقصائهم ظلما, كما هو حال من لا يحظى بالفوز دائما. ولعل الملحوظة الوحيدة على اللجنة هي الكرم المتناهي إلى حد المبالغة في مدح الشعراء وقصائدهم, إلى حد أوحى لهم بالفوز لا محالة, بخاصة عندما انقلب هذا الكرم في الحلقات الأخيرة إلى مبارزة بين أعضاء اللجنة أنفسهم, لإظهار جوانب من قدرتهم وبراعتهم في صوغ العبارات الأدبية الراقية في وصف الشاعر وقصيدته, حتى ليُخيّل إليه وهو يغادر الاستوديو أنه ملك تاج الشعر وصولجانه.
ومهما يكن من أمر, فإنني معجب بما استمعت إليه من اللجنة, ومعجب بمبادرة هيئة أبو ظبي, وأتمنى عليها الإكثار والاستمرار, مع الحرص على التميز والابتكار.
والله من وراء القصد.