"الكهرباء" .. متانة التدفقات النقدية رغم ارتفاع ذمم المستهلكين إلى 19 مليارا
خلال السنوات القليلة الماضية شهدنا عددا كبيرا من الشركات التي قامت بعملية زيادة رأس المال عن طريق إصدار أسهم حقوق أولوية، واعدين مساهميهم بعوائد مستقبلية تُعد وردية بالنسبة إلى الشركة. وأعلنت شركات عن نيتها الاستحواذ أو الاندماج مع شركات أخرى عن طريق إصدار أسهم جديدة. وقامت أيضاً "سابك" في منتصف 2006 بإصدار صكوك لتمويل خططها المستقبلية. وأعلنت هيئة السوق المالية عن موافقتها للشركة السعودية للكهرباء على طرح صكوك لا تتجاوز قيمتها خمسة مليارات ريال. لاحظ عزيز القارئ التباين بين سياسة الشركات المالية من حيث طُرق التمويل، فلماذا لا تطرح شركة الكهرباء أسهم حقوق أولوية لمساهميها وتخفف على نفسها الأعباء التمويلية؟ أول نقطة يجب أخذها في الاعتبار قبل أي قرار يخص هيكلة رأسمال الشركة هي "تعظيم مصلحة المساهمين" والمتمثلة في القيمة السوقية للسهم، وللأسف تجاهلت بعض الشركات هذه النقطة ونقاطا عدة وأصبح تعظيم مصلحة المساهم المغلوب على أمره من آخر أهداف الإدارة, هذا في حالة دخولها قائمة الأهداف!
وإذا عدنا إلى قرار الشركة في طرحها صكوكا، نلاحظ أنه من القرارات القليلة الجريئة التي تتخذها الشركات في السوق السعودية. حصول الشركة على تقييم ائتماني مرتفع ونيتها في إصدار صكوك والتي تتطلب منها الالتزام بتوزيع دوري دقيق جدا ما هو إلا مؤشر إيجابي جدا عن القيمة الحقيقية للشركة، يصعب على الشركات الأخرى محاكاتها. ودائماً ما يشار في أدبيات مالية الشركات إلى أن إصدار أسهم جديدة لتمويل مشاريع الشركة أو إنفاقها الرأسمالي ما هو إلا مؤشر سلبي عن قيمة الشركة, أي أن سعرها السوقي أعلى بكثير من قيمتها الحقيقية، لذلك عملية إصدار أسهم جديدة غالباً ما تُقابل بانخفاضات في القيمة السوقية للشركة بُعيد الإعلان. لذلك مُضي الشركة في عملية إصدار صكوك ربما يحمل في مضمونه مؤشرا عن قيمة الشركة.
اقتصاديات النشاط
من السمات المعروفة في شركات الخدمات العامة كالكهرباء والماء وغيرها هي أن الشركات أقل حساسية لمتغيرات الاقتصاد الكلي وتعرف بأنها شركات دفاعيةDefensive Company. فعلى سبيل المثال لا الحصر انخفاض دخل الفرد من شأنه خفض مستويات إنفاقه على بعض السلع الاستهلاكية بشكل عام، لكن من غير المتوقع خفض استهلاك الكهرباء بسبب انخفاض دخل الفرد. وهذا في حد ذاته يجعل شركات الخدمات ذات جاذبية لمحفظة المستثمر، لكونها بشكل عام تأخذ الطابع الدفاعي, خصوصاً عندما يتعرض الاقتصاد إلى نمو سلبي Downturns. أود التنويه عن جزئية ألا وهي أن الشركات الدفاعية مختلفة عن الأسهم الدفاعية، فالأولى نقارن أداءها مع الاقتصاد الكلي بينما الثانية نقارن حركة السهم مع السوق ككل. على ذلك ما يميز نشاط الشركة هو انعدام المنافسة، أي أن الشركة تتمتع بقوة احتكارية، إضافة إلى وجود متطلبات باهظة جدا لتشغيل مثل هذا النشاط الخدماتي، أي أن الصناعة تتمتع بعوائق تحد من دخول منافسين جدد (توليد، نقل، توزيع) Entry Barriers. ومن جانب آخر، نسبة تغطية المملكة بالطاقة الكهربائية لم تصل إلى 100 في المائة، وبناء على خطة الشركة متوسطة المدى التي تهدف إلى تغطية جميع أنحاء المملكة عام 2011, بمعنى آخر أن نسبة النمو في الإيرادات يتوقع لها أن تفوق متوسط السنوات الأربع السابقة البالغة 6 في المائة.
نتائج الربع الأول
استطاعت الشركة رفع إيراداتها التشغيلية (مبيعات الطاقة، تعرفة قراءة وصيانة العدادات وإعداد الفواتير، تعرفة توصيل الخدمة) في الربع الأول من هذا العام بنسبة 7 في المائة مقارنة بالربع الأول من العام السابق (الرسم البياني "1"). وأتى هذا الارتفاع نتيجة نسبة النمو الإيجابية التي حققتها مكونات إيرادات الشركة التشغيلية - المذكورة سلفاً - والتي نمت بنسبة 7 في المائة و 3.9 في المائة و 9.4 في المائة على التوالي مضيفة 239.8 مليون إلى إيرادات الشركة. وفي سياق الحديث عن إيرادات الشركة الربع سنوية تجدر بنا الإشارة إلى الموسمية الواضحة في إيرادات الشركة كما هو مبين في الرسم البياني "2"، حيث تنمو المبيعات بشكل واضح في الربع الثاني وتصل إلى أعلى المستويات في الربع الثالث ومن ثم تنخفض في الربع الرابع إلى مستوى أعلى من الربع الأول وأدنى من الربع الثاني. وتعد الموسمية في إيرادات الشركة طبيعية وذات علاقة قوية بالتغيرات في فصول السنة. وعلى الرغم من نمو الإيرادات الإيجابي للشركة، أظهرت قائمة الدخل خسائر تشغيلية بلغت 535 مليون ريال أي بنسبة نمو 15.8 في المائة نتيجة ارتفاع الاستهلاكات بنسبة 4.8 في المائة (68 مليونا)، ومصروفات الوقود بنسبة 3 في المائة (23 مليونا)، وكان الدور الأكبر لمصاريف التشغيل والصيانة الذي ارتفع بنسبة 16.45 في المائة (229 مليونا). وتعزو هذه الزيادة في نسبة نمو مصاريف التشغيل والصيانة إلى إجراء عملية صيانة شاملة لمحطات توليد الكهرباء استعداداً لموسم الصيف على حد إعلان الشركة. وقد خففت الإيرادات الأخرى من حِدة الخسائر، ليتحسن صافي الخسائر مقارنة بالربع الأول من 2006م بنسبة تحسن طفيفة في الخسائر بلغت 0.5 في المائة.
مؤشرات الربحية
قد تظهر مؤشرات ربحية الشركة إذا ما نظرنا إليها خلال السنوات السابقة وبأخذ متوسط السنوات السابقة وكأنها متدنية نوعاً ما، وإذا قارنا الشركة بشركات الكهرباء في المنطقة كما هو مبين في الرسم البياني "3" معتمدين على مقياس واحد وهو العائد على حقوق المساهمين، يظهر تدني مستوى ربحية الشركة. فالشركة تحقق عائدا على حقوق المساهمين يقارب 3 في المائة بينما تحقق شركة آيه إي إس بركاء 30 في المائة، ويمكن عزو ذلك إلى انخفاض مجمل هامش الدخل التشغيلي للشركة والذي بلغ متوسطه في السنوات الأربع السابقة 6 في المائة فقط بينما بلغ متوسط قطاع خدمات الكهرباء في الولايات المتحدة 17.9 في المائة. ومن أهم العوامل التي من المرجح أن يكون لها دور في خفض هامش الشركة الربحي هو أن عملية تحديد تعرفة الطاقة الكهربائية لا تخضع لرغبة الشركة بل يتم تعديلها والنظر بها من قِبل مجلس الوزراء. عامل آخر يمكن أن يكون له تأثير على ربحية الشركة هو التمتع باقتصاديات الحجم، بمعنى آخر قدرة الشركة على رفع إيراداتها بنسب أعلى من نسبة نمو التكاليف. وفي قراءة لمتوسط نمو الإيرادات والتكاليف خلال السنوات السابقة نلاحظ أن نسبة نموهما كانت متساوية. وفي قراءة مستقبلية للعائد على حقوق المساهمين، يتوقع له أن يرتفع بسبب دعم الشركة مشاريعها المستقبلية عن طريق إصدار الصكوك والذي من شأنه تعزيز الإيرادات ومن ثم الربح مع بقاء حقوق المساهمين ثابتة.
التدفقات النقدية
تتمتع الشركة بتدفقات نقدية تشغيلية مرتفعة وقد بلغ متوسط نسبة النمو السنوي لها 18 في المائة خلال سنوات الدراسة، ووصلت نسبة التدفقات النقدية إلى الإيرادات 73 في المائة في 2006م. وهذا مؤشر جيد عن الشركة وقدرتها على توليد تدفق نقدي تشغيلي عال، وربما يكون لتدفق الشركة النقدي دور كبير في التقييم الذي حصلت عليه أخيرا من شركة فيتش العالمية للتصنيفات الائتمانية. ولمعرفة مدى تطور تدفقات الشركة النقدية وتأثير كل منهم في الآخر لقد قمنا باتخاذ سنة 2002م أساسا وعلى أساسها قارنا التغيرات في التدفقات النقدية كما هو مبين في الرسم البياني "4". من الرسم يتبين لنا العلاقة الطردية بين كل من التدفقات النقدية من العمليات التشغيلية و التدفقات النقدية من الأنشطة الاستثمارية، أي أن الشركة تعتمد بشكل رئيسي على تمويل أنشطتها الاستثمارية عبر النقدية المولدة من العمليات التشغيلية. أما في السنوات التي فاق فيها التدفق النقدي السلبي من الاستثمارات التدفقات النقدية من الأنشطة التشغيلية نلاحظ أن الشركة وفرت النقدية عبر الاقتراض أي أنها حققت تدفقا نقديا من الأنشطة التمويلية.
مؤشرات السيولة
أظهرت مؤشرات السيولة نقصا في أصول الشركة المتداولة مقارنة مع التزاماتها المتداولة، أي أن رأس المال العامل في الشركة سلبي. وعليه فإن نسبة التداول في الشركة حققت متوسط 0.83 مرة في السنوات الأربع السابقة مقارنة مع متوسط القطاع في السوق الأمريكية البالغ 1.1 مرة. وبسبب تدفقات الشركة النقدية المرتفعة فلا يعد النقص في نسب السيولة مصدر قلق.
مؤشرات الكفاءة
بلغ متوسط دوران المخزون في الشركة 5.56 مرة مقارنة مع متوسط القطاع الأمريكي البالغ 19 مرة، وبذلك فإن متوسط عدد الأيام التي تحتفظ بها الشركة على شكل مخزون يعد مرتفعا نوعاً ما وهذا من شأنه تكبيد الشركة مصروفات إضافية. وتجدر الإشارة إلى طبيعة مخزون الشركة والمحتوي على مواد ولوازم التوليد والتوزيع ومخزون الوقود. ومن منظور آخر للتعرف على مدى كفاءة الشركة والمتمثل في دوران المدينين، من الواضح تدني نسبته بشكل كبير )رسم بياني"5")، ولو استطاعت الشركة رفع كفاءة تحصيل إيراداتها سنجد أن تدفقاتها النقدية ستحقق مستويات أفضل من المستوى الحالي والذي يعد مرتفعا كما ذكرنا.
خلاصة المستثمر
شركة الكهرباء من الشركات التي اتسم أداؤها بالاستقرار وانعدام التقلبات الحادة خلال السنوات السابقة، ومن المتوقع أن يستمر هذا الأداء بسبب طبيعة نشاط الشركة وكما ذكرنا تصنيف الشركة من الشركات الدفاعية التي لا يعتمد أداؤها على متغيرات الاقتصاد الكلي، يرفع من جاذبيتها. مضي الشركة في عملية إصدار الصكوك لتمويل الاستثمارات الرأسمالية لتغطي بخدماتها 100 في المائة من قرى وهجر المملكة المترامية الأطراف من شأنه بلا شك تعزيز إيرادات الشركة المستقبلة. ولا يمكننا الجزم بمستوى ربحية الشركة المستقبلية بمعزل عن الحديث عن كفاءة الشركة المتعلقة بالإدارة المثلى للموارد الاقتصادية المتاحة، والتي تثمر على الشركة بتقليص التكاليف والمصروفات. مستويات الكفاءة التي تحققها الشركة في الوقت الحالي سواء كانت إدارة المخزون، تحصيل المستحقات، إدارة الأصول تعد متواضعة بشكل كبير، وبقاؤها على هذا الشكل له دور في تقليص ربحية الشركة عن طريق ارتفاع المصروفات المقترنة بعدم تحقيق الكفاءة.
تنويه:
1- أعِدّ هذا التحليل بناء على العديد من الفرضيات، وأجريت بعض التعديلات على القوائم المالية.
2- تم الحصول على بيانات الشركات العالمية من موقع رويترز.
4- تناول هذا التحليل أهم المؤشرات المالية للشركة ولا يحتوي هذا التحليل لا ضمناً ولا مضموناً على توصيات بالشراء أو البيع، ولا نتحمل أدنى مسؤولية لأي قرار استثماري يبنى على التحليل