معدلات النمو في الاقتصاد السعودي.. والمهارة المهنية

[email protected]

إذا أردنا أن نناقش بموضوعية مشكلاتنا في البطالة ومشكلاتنا في السعودة، بل إذا أردنا أن نناقش كل مشكلات سوق العمل السعودية، فإننا نجد أن وراء كل هذه المشكلات ضعف المهارة المهنية عند السعوديين بل وغير السعوديين الذين يفدون إلى السعودية للقيام بمجموعة هائلة من المهن, ولكن ليس لديهم دراية كافية بالمهنة التي جاءوا بها.
ولنبدأ بالصحافي فإن الصحافي في بلادنا يعاني ضعفا واضحا نقرأه في سلسلة التقارير والأخبار والحوارات وقس على ذلك الطبيب والممرض الذين تملأ الصحف أخبار إخفاقاتهم وإهمالاتهم يوميًّا، وكذلك الاقتصادي والإداري والمحاسب الذين ورطوا ملايين المساهمين في سوق الأسهم، وقس على ذلك فنيي المطابع وعمال الصيانة الذين قصروا أعمار مكائن الطباعة، وأجهزة الكمبيوتر والأجهزة الكهربائية بكل أشكالها وألوانها، وكذلك الكهربائي، السباك، الحداد، والنجار الذين تسببوا في قصر العمر الافتراضي للمباني والأبراج، وأضف إلى كل هؤلاء السائق الذي أودى بحياة عائلات أو المزارع الذي أصاب الزرع بالصفراء أو الطباخ الذي قدم الأطباق نيئة.
بمعنى إذا استعرضنا هذه المهن وغيرها من المهن التي تبني وتصون وتعمر وبحثنا عن السعوديين فإننا لن نجدهم بالكم المطلوب، وإذا وجدناهم بالقليل المتاح، فإن درجة المهارة عند معظمهم متواضعة.
وأمام الرغبة في تحقيق التنمية الطموحة لجأ السعوديون إلى الخارج فاستقدموا كل ألوان وأشكال العمالة الأجنبية.
ولأن درجة المهارة – كما أسلفنا - ضعيفة عند السعوديين، فإن شطرًا كبيرًا من العمالة المستوردة تنقصها الخبرة والمهارة, بل إن عددًا كبيرًا يصل إلى السعودية، خاليا من أي مهارة، أكثر من هذا أن قسمًا كبيرًا من العمال الذين استقدمناهم من الخارج لامتهان مهن معينة لم تكن لديهم أي فكرة عن هذه المهن، والكثير منهم تعلم مهنًا فنية على حساب ممتلكات السعوديين الذين خسروا جزءًا من هذه الممتلكات حتى يتعلم عليها العمال الأجانب.
لقد استقدمنا الصحافي ولم يكن صحافيًّا واستقدمنا المحاسب ولم يكن محاسبًا واستقدمنا المهندس ولم يكن مهندسًا واستقدمنا السباك ولم يكن سباكًا واستقدمنا النجار ولم يكن نجارًا واستقدمنا المزارع وهو لم يحترف الزراعة قط في حياته، بل استقدمنا أطباء وثبت فيما بعد أن شهاداتهم الطبية مضروبة، وأخيرًا استقدمنا عضوات هيئة تدريس وأعضاء هيئة تدريس بشهادات مزورة.
أضف إلى ذلك أن العمال الذين اكتسبوا المهارة من خلال التجارب التي أتاحتها لهم المكنة السعودية، في حاجة إلى تدريب متخصص مستمر للانتقال إلى مستوى أعلى تمشيًا مع المستوى التقني للآلة الجديدة التي دخلت خطوط الإنتاج، والعمال التقنيون يحتاجون إلى قراءة كتيبات الإرشاد، والرؤساء يحتاجون إلى مهارات حاسوبية، وعمليًّا يطلب من جميع الموظفين الإداريين إعادة اختراع وابتكار مواهبهم حتى يتواكبوا مع الجديد في عالم تقنية المعلومات، ومن خصائص المواكبة أن التعليم والتدريب المستمرين أصبحا جزءًا أساسيًّا من الوظيفة ولاسيما الوظائف التي تتطلب درجة من الكفاءة الفنية.
هذا الاستعراض لمجموعة كبيرة من المهن يؤكد أن هيكل المهن الفنية في الاقتصاد السعودي ضعيف ويعاني هزالا، ولا يساعد على تحقيق معدلات عالية في الجودة وفي الناتج القومي.
لذلك أمام هذا الانخفاض الكبير في المهارة المهنية في سائر المهن، فإننا في حاجة إلى وضع خطة استراتيجية لبناء هرم مهني جديد يرتقي بالمهن ويجعلها في مستويات أعلى.
ولعل أهم وسيلة للارتقاء بالمهن هو القيام بإجراء مسح شامل لمعاهد وأكاديميات التدريب القائمة بهدف تجديد هذه المعاهد وإعادة بنائها إضافة إلى إنشاء معاهد جديدة تهتم جداً بمستوى المخرجات.
نريد مثلاً من جمعية الصحافيين السعوديين أن تبادر وتنشئ معهدًا للصحافة يؤهل الصحافيين المتخرجين من الجامعات لسوق العمل، ونريد معهدًا متخصصًا في المحاسبة يتولى تدريب المحاسبين حتى خريجي المحاسبة من الجامعات يلتحقون بهذا المعهد لتأهيلهم لسوق العمل، ونريد من مؤسسة تقنية المعلومات أن تنشئ معهدًا في تقنية المعلومات يتخرج منه أصحاب المهن الذهبية، ونريد من وزارة الصحة أن تضع مواصفات عالمية لمعاهدها الصحية بحيث يتخرج منها المؤهلون لسوق العمل.
إذا استطعنا أن نواجه الانخفاض الهائل في المهارة المهنية بالتدريب المهني الجاد، فإن حال كل أحوالنا المهنية والاقتصادية ستصلح، وسنخفض التكاليف ونرتقي بالمخرجات وسنرتقي بالجودة ونزيد من معدلات الناتج القومي.
وحصيلة الأمر إن المهارات أصبحت تأخذ حيزًا كبيرًا من اهتمامات أي موظف يتمتع بالوعي وبالطموح، بل هناك فئة من الموظفين يتطلعون إلى تسويق أنفسهم ليس في السوق المحلية فقط ولكن يسعى إلى تسويق نفسه عبر شبكة الإنترنت في السوق العالمية.
إن السوق العالمية.. باتت تفطن لأهمية الكفاءة والموهبة ويسعى إلى أصحابها ويغدق عليهم الأموال والمزايا من أجل استقطابهم وتوظيفهم. والأمثلة كثيرة للكثير من الأدمغة العربية التي غادرت بلادها والتحقت بأسواق العمل في الدول المتقدمة وكسبت وغنمت الشيء الكثير.
بل أكثر من هذا فإن الشركات والمستشفيات والجامعات في الدول المتقدمة تشهد في هذه الأيام حربًا على المواهب والعقول من أجل تحقيق المزيد من المكاسب الفنية والمالية والأدبية.
والمعروف أن الدول المتقدمة لم تنخرط في عداد الدول المتقدمة إلا إذا كان لديها سرب من المهارات الإنسانية، بمعنى أن المهارة الإنسانية هي الأساس الأول التي تأخذ الدولة إلى مصاف الدول المتقدمة.
وإذا كانت الدول المتقدمة تسعى إلى مزيد من العقول والأدمغة، فإنها تدرك جيدًا أن توافر المهارات الإنسانية سيدفعها بقوة للمنافسة في سوق اقتصادية يتنافس فيها الجميع بشراسة.
نؤكد مرة أخرى أن هيكلة القوى العاملة في السعودية في حاجة إلى خطة استراتيجية هدفها بناء هرم مهني جديد يرتقي بالمهن في السوق السعودية ويأخذنا إلى حيث نتمنى من الجودة والإتقان والبناء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي