مشكلة السوق السعودية أكثر من.. "صنع في الصين"
من الملاحظ أن السوق السعودية أصبحت جاذبة للسلع الرخيصة وتوظيف من هم أقل مهارة وكفاءة وتأهيلا في معظم المستويات والقطاعات والمؤسسات المهمة مثل الجامعات والمستشفيات. لقد غدت السوق تجتذب ما يلفظه الآخرون أو من يمارس الغش والتدليس وكأنما هي مكب لكل رديء. وما خبر اكتشاف المزورات من عضوات هيئة التدريس عنا ببعيد، بل إن هناك من بين أعضاء هيئة التدريس والأطباء من لا ترتقي قدراته للمستوى المقبول علما وخلقا. أما السلع الرديئة فلقد بلغ الحال أن تكون هناك محال تجارية تزخر ببضائع وخدمات متدنية تحوي الخطر الداهم لكنه خفي وما لا يرى ولا يعلم هو الأخطر، فها هي محال "أبو ريالين" وأبو خمسة" وأبو عشرة"! تملأ الرحب تجدها في كل مكان تحت نظر القانون وهي بلا شك تعكس حال المستوى المعيشي المتدني ليس لمستوى الدخل فقط! ولكن لمستوى الثقافة الاقتصادية والصحية والسلامة. أما العمالة غير الماهرة فقد فتحنا لها أبواب بيوتنا وحتى مشاريعنا الاقتصادية الضخمة مثل الجامعات والمستشفيات والمطارات وغيرها وكأنها ورش للتدريب بالتجربة والخطأ! وهكذا يقع الجميع ضحية التفكير القاصر في عدم إدراك العلاقة بين المدخلات والمخرجات وأن النتائج تعتمد على المعطيات. إن كثيرا من الناس يغتر بانخفاض التكلفة المبدئية وتجتذبه الأسعار والأجور المتدنية التي هي في حقيقة الأمر تعكس المستوى المتدني للجودة والعمر القصير للسلعة أو للخدمة. لقد تأسست ثقافة إن الرخيص مربح وإنه من الذكاء والفطنة لدى المستهلك والمسؤول أن يهتم بالسعر، دون الأخذ في الاعتبار الجودة وطبيعة الاستخدام ومداه والرضا النفسي وتحقيق الأهداف. إن شراء السلع الرخيصة أو توظيف العمالة غير الماهرة أو غير المؤهلة له تبعات خطيرة على حياة الناس وهم في غفلة من ذلك.
الأمر لا يقف عند هذا الحد من ضعف الثقافة الاستهلاكية لدى العموم ولكن التقصير الواضح لدى الجهات الرسمية بالسماح بدخول مثل هذه السلع والعمالة التي لها تأثيرات سلبية وتعرض حياة الناس للخطر. إنه أمر غريب عجيب أن تكون الجهات الحكومية المسؤولة عن المصلحة العامة أن تدير ظهرها عن كل ما يحدث في السوق وكأنه موضوع لا يستحق الاهتمام. إن ما يجلب إلى السوق السعودية من صناعات رديئة وعمالة غير مدربة هو بسبب التراخي واللامبالاة وعدم الاهتمام بحياة الناس وسلامتهم. إنها مسألة تثير عدة تساؤلات حول الدور المطلوب من هذه الأجهزة الحكومية التي تزخر بالمكاتب وتزدحم بالموظفين وتمتلئ باللوائح والقوانين المنتفخة إلا أنها مع وقف التنفيذ. الكل يعمل ويجتهد دون إدراك الأهداف الحقيقية وهي خدمة العموم وتحقيق رضاهم والحفاظ على مصالحهم. إنها أزمة تتعلق بالنظام الإداري الذي لا يعتمد المساءلة والشفافية فيكون هم القيادات الإدارية تحقيق أعمال آنية شكلية فيكون الإنجاز صوريا دون الجودة وتطبيق المعايير المهنية والعلمية. إنه انفلات اقتصادي بحجة تطبيق نظام السوق وحرية الاستثمار والاستهلاك والبيع والشراء دون إطار قانوني يردع من تسول له نفسه في أن يتاجر بأرواح وصحة وسلامة المواطنين من أجل حفنة ريالات. إنه الفراغ القانوني في السوق يغتنمه بعض ضعاف النفوس ليجلبوا سلعا في ظاهرها الرحمة والرفق بتوفير منتجات يستطيع شراءها محدودو الدخل، وهي في واقع الأمر استغلال للظروف الاقتصادية القاسية التي يعانونها. إن أصحاب الحاجة غير ملومين في إقبالهم على مثل هذه السلع الرديئة فإن دخولهم المتدنية لا تسعفهم في التفكير الاقتصادي السوي. إن بعض الأفراد يجدون أنفسهم مضطرين إلى شراء سلع رخيصة لأنها هي ما يستطيعونه ولأنهم يثقون بأن الأجهزة الحكومية المعنية ستحميهم من أنفسهم ومن الآخرين. إنهم يؤمنون إيمانا كاملا أن الأجهزة الحكومية لديها الميزانيات والمعلومات والموارد البشرية والقدرة الفنية والإدارية، وأهم من ذلك الحرص الشديد على مصالح العموم التي تضمن لهم القيام بالشراء أو استخدام الخدمات دون خوف أو ريبة.
لقد تواترت أخبار كثيرة في عدد من الدول عن وجود منتجات صينية رديئة. الكثير من الدول اتخذت إجراءات تصحيحية واحترازية لحماية مواطنيها من شر هذه المنتجات التي ذكرت الأنباء أن بعضها يسبب أمراضا خطيرة ومميتة. وعندما يتعلق الأمر بالأطفال تكون القضية ذات بعد إنساني إذ إنهم لا حول لهم ولا قوة ولا يستطيعون التعرف على المشكلة خاصة إذا كانت تتعلق برداءة التصنيع أو كونها تحتوي على مادة الرصاص أو مواد كيماوية أخرى تؤثر في صحتهم ولربما سببت لهم إعاقة جسدية وذهنية. هذا الموضوع الخطير والمتعلق بالصحة والسلامة العامة يحتاج إلى اكتشافه في مراحل متقدمة من بلد المنشأ أولا، ومن ثم عند وصوله إلى الميناء ويكون فيه المورد مسؤولا مسؤولية قانونية كاملة عن صلاحية هذه الألعاب أو المواد الغذائية وفي حال اكتشف أي عطب أو مواد خطيرة في مادة التصنيع للمنتجات المستوردة يتحمل المورد جميع المصروفات والتبعات لهذه الأخطاء. إن الأسواق تغص بالكثير من هذه المنتجات الرخيصة في ثمنها، المكلفة في تأثيرها في الإنسان والبيئة ويجب أن توضع قوانين صارمة ورادعة تماما مثل تلك التي وضعت للاتجار بالمخدرات لأن هناك تشابها بينهما في تدمير صحة الإنسان والاقتصاد الوطني. بل إن هذه السلع أخطر لأن خطرها خفي ينتشر برعاية قانونية وشرعية. لذا يقع على عاتق وزارة التجارة وهيئة المواصفات والمقاييس الدور الرئيس في اكتشاف هذه المنتجات الخطيرة قبل دخولها إلى الأسواق حتى لا تقع الفأس بالرأس ونبدأ بعمليات إطفاء للحريق هنا وهناك ونمارس إدارة الأزمات، بدلا من عمل إجراءات وقائية واحترازية في المقام الأول تجنب المواطنين المشكلات وتبعد عنهم المخاطر. فكميات من المكسرات والألعاب الرديئة دخلت السعودية ومن ثم تم سحبها من الأسواق بعد اكتشاف أنها تحتوي على مواد مسرطنة ليس فطنة واستعدادا ومبادرة من وزارة التجارة، وإنما بعدما أعلنت بعض الدول عن اكتشافها لهذه السلع. إن احتمالية التأثير السلبي في الصحة العامة تبقى خطيرة جدا حتى في ظل إجراءات سحبها من السوق، إذ قد يكون تناولها البعض قبل إعلان قرار الحظر أو أن بعض التجار تراخى في تطبيق الحظر أو لم يصل إليه خبر الحظر أساسا. كثير من دول العالم اتخذت إجراءات قانونية واقتصادية صارمة وحازمة وملزمة ووضعت وسائل فاعلة للتطبيق وتأخذ هذا الموضوع على محمل الجد وتمنحه أولوية كبيرة في سياساتها العامة لتحفظ مواطنيها من شر الصناعة الرخيصة متدنية المقاييس والمعايير التي تهدد حياة الناس وتكون وبالا وشرا مستطيرا. إنه من المناسب بل من الضروري الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في التقليل من مخاطر الصناعة الصينية الرخيصة إن لم يكن تجنبها أساسا. إن المواطن العادي يضع ثقته الكاملة بل ويرهن حياته للأجهزة الحكومية المسؤولة عن الحفاظ عليه لأن دورها تحقيق المصلحة العامة والدفاع عن حقوقه ولأنها الأقدر على ذلك من الناحية التخصصية والعملية والفنية والقانونية أو هكذا يفترض! إن على الجهات المسؤولة تحري الدقة والتشديد بالقدر الذي تتخفى كثير من الملوثات والأعطاب التصنيعية في المنتجات الصينية وغيرها.
قد يكون من الخطأ أن نقصر اهتمامنا على المنتجات المستوردة أو أن نعتقد أن السلع الرديئة هي ما نخشاه فقط على الأبدان والبيئة، هناك أيضا الخدمات التعليمية خاصة في مؤسسات التعليم العالي والخدمات الصحية. لقد ذهل الكثيرون ولم يكد أحد يصدق أن يكون هناك عدد كبير من عضوات وأعضاء هيئة التدريس من غير المواطنين الذين يقومون بمهنة التدريس لأعوام ويكتشف أن شهاداتهم مزورة أو تأهيلهم ضعيف. هذه مصيبة عظمى تصيب نظام التعليم الجامعي في مقتل بل إنها ظاهرة لمشكلة أشد وأعتى. إنها مشكلة العمل الشكلي الروتيني الذي يفتقر إلى الحس المهني والحرص على تطبيق معايير الجودة. إنه يكشف عن حقيقة مرة وهي أن مفهوم التعليم العالي افتقد المقصد الأساسي وهو تنمية الفكر والقدرة على التحليل وتطوير البحث العلمي وتقديم الاستشارات المهنية إلى حشر الطلاب في قاعات ليقوم أحدهم بملء ساعات المحاضرة وحشو أذهان الطلاب وتلقينهم معلومات دون أن يكون لهم الخيرة في ذلك فالنقاش مرفوض والسؤال محظور فهو اتصال في اتجاه واحد، هكذا يتمكن المزورون أو الأقل كفاءة من التغلغل في نظام تعليمي يهيئ لهم الفرصة ليعملوا دون رقابة وتمحيص. كما أن الذين يقومون بعملية اختيار أعضاء هيئة التدريس هم من غير المتخصصين في المجال الأكاديمي لأن العملية برمتها شكلية, المهم في الأمر جلب عضو هيئة تدريس دون التمحيص في مؤهلاته وقدراته العملية! وما يجري في قطاع التعليم ينسحب على الأطباء غير المؤهلين فيكفي الإشارة إلى خطرهم وانتشارهم كثرة الأخطاء الطبية التي أصبحت ظاهرة مؤلمة تطالعنا كل يوم. أما العمالة الرخيصة التي تنتشر بين ظهرانينا وتعيث في الأرض فسادا فحدث ولا حرج لقد بلغ الأمر مبلغا خطيرا في أن يقوم بالأعمال من ليس مؤهلا لذلك مثل إصلاح السيارات وأعمال الكهرباء والبناء وقيادة سيارات الأجرة وغيرها. ومما يزيد الطين بلة أن العامل النظامي يتحول إلى عامل غير نظامي بسبب تهيئة كل أسباب الهروب والعمل لحسابه الخاص. لقد حان الوقت لوضع حد لهذا الوضع المتردي بوضع معايير ومواصفات عالية لجميع السلع والخدمات والالتزام بتطبيقها ومنع دخول المتردي منها بدلا من السماح بها ومن ثم سحبها كما فعلت وزارة التجارة أو وزارة التعليم العالي.