تنفيذيون "غير"
تعد عبارة "جدة غير" من أشهر العبارات الترويجية في المملكة، ولكن للذين يعرفون جدة قبلا فإنهم سيجدون الـ "غير" هذه في كل مكان لكنهم لن يجدوا جدة التي يعرفون. وقد كنت أعتقد أن المشكلة تكمن في جدة ولكنني لم أكن أتوقع أن مشكلتنا هي مع كلمة "غير". فيبدو أن لهذه الكلمة تأثيرا بالغا فيما تضاف إليه، أو بعبارة أخرى إن لها تأثيرا معاكسا عندما تكون مضافة أو مضافا إليها، ففي الأولى يصبح معناه التأكيد وفي الثانية تدل على النفي، والدليل على ذلك أنها استطاعت أن تنفي جدة في قولنا "جدة غير" "أي لم تعد جدة هي جدة" ولكنها أشارت إلى التأكيد عند قولنا "غير التنفيذيين"، أي مهما أصدرنا من لوائح لمراقبة الشركات فالتنفيذيون هم التنفيذيون ولا يوجد لهم غير.
وعبارة "غير التنفيذيين" - لغير المطلع – تعد إحدى أهم العبارات الحديثة في عالم الرقابة على أداء الشركات. فقد مرت نظم الرقابة على أداء الشركات برحلة طويلة جدا. بدأت منذ الظهور الأول لعالم الشركات إبان الثورة الصناعية وقبلها عندما اشتدت وتيرة السباق الأوروبي على استعمار العالم، عندها بدأ الانفصال بشكل تدريجي بين من يملكون الثروات ومن يقومون باستثمارها، أو بلغة أهل الاقتصاد "الأصيل والوكيل". هذه العلاقة بين الأصيل والوكيل كان ومازال يشوبها الكثير من الشك وعدم الثقة المتبادلة. مشكلة الوكالة الوكيل يعرف كل شيء عن الشركة وأرباحها والأصيل يعرف القليل فقط (بقدر ما يخبره الوكيل). ولحل هذه المشكلة المتأصلة في عالم الشركات ظهرت الرقابة بحيث يتولى شخص يعينه الملاك لمراجعة كل ما يتعلق بأداء الشركة ويقدم تقريرا عن تلك المهمة. لكن القضية الكبرى هي في اختيار ذلك الشخص، فلا بد أن يكون محايدا ومؤهلا بدرجة كافية لتقديم تقرير يمكن الثقة به. اختيار ذلك الشخص وتكليفه كانت ومازالت عملية مكلفة ومعقدة وتحدث لمرة واحدة في السنة، لذلك ومع تعقد أعمال الشركات ظهرت الحاجة إلى نظم للرقابة من داخل الشركات تتسم بأنها مستمرة (نظم الرقابة الداخلية) ثم ظهرت المراجعة الداخلية ثم لجنة المرجعة ثم ظهر "غير التنفيذيين" كجزء من نظام الرقابة على الشركات. لكن في خضم هذا التطور والتطوير لنظم الرقابة ظهرت مشكلة لم تكن في الحسبان ألا وهي أن هذه الأنظمة الرقابية أصبحت معقدة ومتداخلة بشكل كبير وأصبحت هناك حاجة واضحة إلى نظام شامل يحكم علاقاتها فظهرت لوائح حوكمة الشركات كنظام شامل للرقابة.
وعلى الرغم من أن لوائح حوكمة الشركات ظهرت كحاجة ماسة وضرورة ملحة في العالم الصناعي ذي الأسواق المالية المتطورة, إلا أنها ظهرت في العالم العربي كضرورة موضة. فالنظم الرقابية التي تؤسس الحوكمة في أغلب الشركات المساهمة السعودية, فضلا عن غير المساهمة مازالت هشة جدا وتحتاج إلى تطوير حقيقي (قبل أن نجمعها في نظام)، ومازال أغلب الملاك ( أصحاب الـ 70 في المائة) يتعاملون مع الشركات من منطلق "حلالنا وحنا أبخص به"، كما ما زالت لجنة المراجعة لجنة صورية وإدارة المراجعة الداخلية غير موجودة ـ تكتفي شركاتنا بموظف ـ مراجع داخلي – يعمل كجوكر (محاسب، مراجع، مراسل، على قد الحاجة). اللوائح المالية ولوائح تنظيم العمل جميعها تعد وفق نظام (صورة طبق الأصل).
وأعود إلى قصة غير التنفيذيين، فهذه الفئة من أعضاء مجلس الإدارة قد نصت على وجودها لوائح حوكمة الشركات بحيث تتصف بالاستقلال وعدم تعارض المصالح. فقد كانت قرارات مجلس الإدارة تتخذ في غياب من بقية المساهمين, وهذا طبيعي لكن ما حدث في السنوات الأخيرة أن القرارات تتخذ وتنفذ وفقا لما تقتضيه مصالح أعضاء المجلس فقط. فظهرت الفضائح المالية وتطورت أساليب إدارة الأرباح. لهذا قررت الهيئات العالمية ضرورة وجود أعضاء ضمن المجلس هدفهم ينصب فقط على ضمان أن قراراته واستراتيجياته تصب فقط في صالح المساهمين.
إلى هنا والأمر جميل ولا أثر لـ "غير" لكن عندما بدأنا نطبق هذه المفاهيم على شركاتنا السعودية, خاصة بعد كارثتي "بيشة" و"أنعام" أطلت علينا "غير" بتأثيرها. فكما قلت سابقا عندما تصبح "غير" مضافا فإنها تشير إلى التأكيد, أي عندما أشارت لائحة حوكمة الشركات إلى ضرورة وجود غير التنفيذيين كجزء من مجلس الإدارة، اختفى معنى "غير" ليصبح المكان فقط للتنفيذيين ولا مكان لغيرهم, كيف؟
إن استقراء بسيطا لهياكل وتكوينات مجالس الإدارات في الشركات السعودية تجدها مكونة تقريبا من الأسماء نفسها، بحيث تكرر الأسماء بين الشركات فمن كان تنفيذيا هنا أصبح غير تنفيذي هناك، أي أن القصة أصبحت وفقا للمثل (امسكي لي أقطع لك) - أنت غير تنفيذي عندنا ونحن غير تنفيذيين في شركاتكم. مشكلة تعارض مصالح واضحة جدا. فإذا كان الهدف من وجود غير التنفيذيين هو ضمان الاستقلال والحياد فإن هذه الصفة مفقودة تماما في شركاتنا السعودية وبذلك بقي التنفيذيون كما هم وسيطرتهم وتأثيرهم في قرارات الشركة وتسييرها وفق مصالحهم أمر قائم وكأنه لا معنى لـ "غير" ولا وجود لها.
هذا من ناحية الاستقلال، وإذا ناقشنا الموضوع من جانب الخبرات فإن منصب غير التنفيذي يتطلب خبرات متعددة وإمكانات مالية معقدة، خاصة إذا كان مرشحا لمنصب رئيس لجنة المراجعة, وهو منصب (كما نصت اللوائح والدراسات العالمية) يتطلب خبرات متقدمة في إعداد التقارير المالية وتحليلها, وهي صفة لا أعتقد أن شركاتنا تعيرها اهتماما.
وهكذا يظهر أننا لم نتقدم خطوة في مجال الرقابة على أداء الشركات ومازالت الجمعيات العامة بعيدة كل البعد عن تقيم أداء مجالس الإدارات وحتى لو لم يعجبهم الحال فليس لهم إلا 5 في المائة.