رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


منظمة الشفافية العالمية.. معاً في مكافحة الفساد

منظمة الشفافية الدولية هي منظمة مدنية أسست في بداية التسعينيات من القرن الماضي في برلين- ألمانيا وذلك بجهود أشخاص مميزين عالميا بمن فيهم مسؤولون سابقون في البنك الدولي، وكذلك بعض رؤساء الدول السابقين الذين شهد لهم التاريخ بعملهم الدائم على حماية الحقوق وتوفير العدالة قدر المستطاع والتي - أي العدالة - أساس بناء الأمم وسر استمرارها. إن أحد أهم أهداف المنظمة الرئيسة محاربة الفساد بأشكاله كافة وإصدار تقارير دورية عن الدول والحالات التي تصبح مثار تساؤل سواء على مستوى العالم أو داخل كل دولة بعينها. وتحمل المنظمة شعار "الاتحاد العالمي ضد الفساد" بهدف مساعدة الدول والأفراد الراغبين في توفير الحد الأدنى من النزاهة، بعد انتشار كل أنواع الفساد على مختلف المستويات وفي جميع أنحاء العالم بما في ذلك العالم المتقدم. والقناعة بعجز مؤسسات المجتمع المدني والتي بكل أسف وفي كثير من دول العالم الثالث أُفرغت من مضمونها وأصبحت مسخاً، فإما لا حول لها ولا قوة وإما تكون وجدت في الأساس لذر الرماد في العيون محلياً وخارجياً، بل في بعض الأحيان أصبحت تلك المؤسسات جزءاً من الفساد من خلال الاستسلام له والانصياع لأوامره وفي أحيان المشاركة فيه وتبريره، والأمثلة على ذلك كثيرة.

ومما يحبب في هذه المنظمة كونها بعيدة كل البعد عن المنظمات الرسمية أو ذات الطابع الرسمي مما يعطيها الحرية الكاملة في العمل بعيدا عن ضغوط القوى واللوبيات الدولية، كما نشاهدها في كل المحافل الأخرى، ولدى المنظمة أكثر من 60 فرعا حول العالم وفي دول مختلفة، المتقدم منها والمتخلف. وهي تعتمد على إيجاد شريك محلي في رفع التقارير لها في كل دولة عن مستويات النزاهة، إن وجدت، أو عمق الفساد تحت الطاولات. وتتعدد أنشطتها بتعدد وسائل إيجاد مجتمعات نظيفة تعيش بحقوق متساوية وعبر توزيع عادل للثروات بحسب الجهد والعمل المبذولين، وبالتالي تدعم الأخلاق التي هي "أساس بقاء الأمم" كما قال شاعرنا القديم قبل الألمان والغرب عموماً. وهي بذلك تساعد على تحقيق التنمية المستدامة والإصلاح الاجتماعي الذي شوهته الحضارة من حيث كانت تعتقد أنها تصلحه، كذلك تشجع المأسسة (تحويل العمل والجهد الفردي إلى مؤسساتي منظم). ومن أهم ما يلفت الأنظار أن المنظمة لا يهمها تحديد أسماء أو جهات فاسدة أو مفسدة (التشهير) بعينها، بقدر أهمية محاربتها للفساد ذاته ومساعدة الجميع حكومات وأفراداً ورجال أعمال ومصلحين اجتماعيين على تطوير الأنظمة والهياكل اللازمة لمحاربة الفساد وزيادة الوعي المجتمعي بمسببات الفساد وأخطاره الكبيرة على مستقبل الأمم كافة. إذن هي تساعد على البناء للمستقبل ولا تهتم بالماضي ومن فعل ماذا وكيف؟
وبصراحة شديدة كلما قرأت عن تلك المنظمة زاد اعتقادي أن مؤسسيها ينهلون من تعاليم ومعتقدات وأوامر الدين الإسلامي الحنيف كما نزلت على محمد - صلى الله عليه وسلم - وطبقت في عصور الإسلام الزاهية، لا كما تمارس اليوم من قبل المسلمين، وبالتالي كل ما تطالب به تلك المنظمة الأهلية، أُمرنا به قبل أكثر من 1400 سنة من الآن. وأهم ما تطالب به المنظمة تطبيق قول الرسول - صلى الله عليه وسلم "‏من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان‏". وكذلك تطبق قوله - صلى الله علية وسلم "مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها مثل قوم ركبوا سفينة فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا‏:‏ لو خرقنا في نصيبنا خرقاً فاستقينا منه، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً".‏‏ والأحاديث كثيرة في هذا الباب. أعتقد جازماً أن أهم المنكرات التي يجب العمل على النهي عنها وإصلاح حالها هو الفساد المالي والإداري العام منه والخاص الذي ينخر في لب أي اقتصاد وما يلبث أن يُسقطه ويُسقط المجتمع معه. هذا المنكر أهم وأولى من الكثير من المنكرات الشخصية التي يرتكبها عامة الناس بحسن نية أو بسبب الجهل أو بسبب البعد عن جادة الاستقامة، وهو أمر مسلم به فالناس تختلف في مستويات التزامها (ولا يمكن حكم الناس على مستوى واحد)، ولكن ومع الأسف نرى أن هذه الأمور هي جل ما يهم مؤسساتنا المسؤولة عن الحسبة، وكأن المنكر هو ذاك فقط وما عداه يمكن الصبر عليه والسكوت عنه وتحمل تبعاته وتداعياته. يجب أن نضبط أمور دنيانا التي منحنا الله أمانتها، أما محاسبة الناس عن أمور آخرتهم، فهي مسؤولية رب العالمين في محاسبة من استعد لها أو تركها ما لم يظهر الفاحشة ويجاهر بها "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء".

وعودة إلى موضوع منظمة الشفافية العالمية وطريقتها في العمل لتحقيق أهدافها فإنها تنبع من إيمانها بأنه من الممكن محاربة الفساد بشكل مستمرّ، في حالة مشاركة كل المعنيّين سواء من الحكومة أو المجتمع المدني، أو القطاع الخاص. ووسيلتها في ذلك أن تجمع في فروعها المحلية الأفراد المعروفين بالنزاهة في المجتمع المدني، سواء من عالم التجارة والأعمال أو من الجهات الحكومية للعمل في تحالف من أجل إصلاح النظام، ومبدأ المنظمة في ذلك عدم تسمية أسماء أو مهاجمة أفراد بعينهم، وإنما تركّز على بناء نظم تحارب الفساد، كما أن المنظمة تلعب دورا مهماً في زيادة الوعي العام بمخاطر الفساد في الكثير من البلاد. وتؤمن المنظمة كذلك أن هناك طرقا عملية يستطيع من خلالها كل رجل أو امرأة – على اختلاف أعمارهم – القيام بدور فاعل في هذه المؤسسة العالمية الفريدة.

وعليه، نقول أن نيّأت الإصلاح واضحة لدينا في هذا المجال والدليل صدور قرار مجلس الوزراء الذي أخذ بتوصيات مجلس الشورى رقم 3/4 وتاريخ 13/3/1425هـ في 2/2/1428هـ الموافق 20/2/2007م، بالموافقة على الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد. وذكر أن في مقدمة أهداف هذه الاستراتيجية "تحقيق حماية النزاهة ومكافحة الفساد بشتى صوره ومظاهره وتحصين المجتمع السعودي ضد الفساد". ويأتي تحقيق مثل تلك الأهداف من خلال عدة وسائل أهمها" إنشاء هيئة وطنية لمكافحة الفساد لمتابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية ورصد نتائجها وتقويمها ومراقبتها ووضع برامج وآليات لتطبيقها وقيام الأجهزة الحكومية المعنية بحماية النزاهة ومكافحة الفساد بممارسة اختصاصاتها وتطبيق الأنظمة المتعلقة بذلك، وتقليص الإجراءات وتسهيلها والعمل بمبدأ المساءلة لكل مسؤول مهما كان موقعه وفقا للأنظمة". وبالتالي اَمل من المسؤولين الذين سيكلفون بإدارة تلك الهيئة الاستعانة بمنظمة الشفافية العالمية لوضع الأسس السليمة لمكافحة الفساد وحماية النزاهة، حيث إن لها مصداقية ممتازة على المستوى الدولي وستساعد على إقناع الآخرين حول جدية التوجه في الإصلاح ورفع مستويات النزاهة إلى أفضل المؤشرات الدولية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي