علاقة الطلاب المبتعثين بالملحقيات الثقافية السعودية

[email protected]

إذا كانت حكومتنا الرشيدة قد غيرت في عام 2003 اسم وزارة المعارف إلى وزارة التربية والتعليم، فإن وزارة التعليم العالي في أمس الحاجة إلى تغيير اسمها إلى وزارة التربية والتعليم العالي.
وحتى تأخذ الوزارة خطوة إيجابية نحو التربية، فإنها في أمس الحاجة إلى تطوير علاقتها مع الطالب المبتعث.
ونقطة البدء هي أن الملحقيات يجب أن ترتقي بالعلاقة بينها وبين الطالب على أساس أن الطالب السعودي المبتعث هو ابن من أبنائها وأنه يعيش في الغربة ويحتاج إلى حضن يرعاه ويسهل أمور تعليمه ويسوي كل المسائل التي تتهدده. أما سياسة المطاردة واستخدام العصا الغليظة التي تطبقها الملحقيات الثقافية ضد أبنائها، فإنها سياسات لا يمكن أن تقوم على مفهوم العلاقة التربوية الحميمة التي يجب أن تكون بين الملحقية وأبنائها.
إن أهمية بناء علاقة تربوية جيدة بين المبتعث ووزارة التعليم العالي.. باتت من أهم مهمات وزارة التعليم العالي في المرحلة الحالية ولاسيما بعد أن شهدت العلاقة بين الوزارة وأبنائها على مدى عقدين من الزمان درجة عالية من التوتر. والسبب أن الوزارة تطلب الكثير ولكنها لا تعطي إلا القليل، حتى الطالب الذي يبتعثه والده أو ولي أمره فإن الوزارة تلاحقه وتطارده، إما بمنعه من استكمال دراسته وإما الالتفاف حول الجامعة التي يدرس فيها وتكليفها بمطالبة الطالب بخطاب موافقة من وزارة التعليم العالي، أي أن وزارة التعليم العالي التي لم تتح مطرحًا للطالب كي يدرس في جامعات وطنه، فإنها تركض خلفه لتمنعه من استكمال دراسته على حسابه في الخارج إلا بشروطها.
وهكذا ظلت العلاقة بين الطالب الجامعي وبين وزارة التعليم العالي دائمًا بين كر وفر.
إن تناول هذا الموضوع بين عام دراسي انتهى وعام دراسي مقبل، لابد وأنه يحتوي على مجموعة كبيرة من مشكلات الطلاب المبتعثين، فلقد استمعت إلى الكثير من الشكاوى من مبتعثين سعوديين إلى دول مختلفة يشكون كثرة المطالب والعوائق التي تضعها الملحقيات الثقافية أمام هؤلاء الأبناء.
إذا كان المبتعثون للدراسات العليا أكثر قابلية لظروف الغربة، فإن صدمات الغربة على الطالب الجامعي (اندر جرادويت) تمثل مشكلات عاصفة تحتاج إلى تربويين يتعاملون مع هذه الفئة من الطلاب بشيء من الكياسة والتربية.
إننا يجب أن نسلم بأن الطالب هو في الأساس ابن من أبناء هذه الوزارة وهي التي تضع له الأنظمة الإرشادية والرقابية التي تساعده على استكمال الدراسات، وهي التي تبني العلاقة الحميمة معه.
وإذا كانت الملحقيات الثقافية يجب أن تراعي طلابها منذ وصولهم إلى أرض الغربة وحتى نهاية تخرجهم، فإن واجب الملحقيات أيضا أن تعين الطلاب الذين أنهوا متطلبات التخرج على إنهاء أوراقهم بأقصى سرعة ممكنة وتمكنهم من السفر إلى أرض الوطن للانخراط في عمليات البناء والتنمية. ومن باب الوقوف على العلاقة بين المبتعث والملحقيات طرحت أمامي قائمة من الحالات، وأهمها الطلاب الذين أنهوا متطلبات التخرج وحصلوا على درجات البكالوريوس وبالذات الذين تخرجوا من الجامعات الموافق عليها مسبقًا من قبل الملحقيات الثقافية، لنأخذ – على سبيل المثال- حالة من الحالات في كلية الطب في جامعة القاهرة (قصر العيني).
إن الملحقية الثقافية في القاهرة تطالب الخريج من كلية الطب في جامعة القاهرة (قصر العيني) شهادة من الكلية، بأن الدراسة تمت بالحضور الكامل للطلاب علماً بأن الملحقية تعرف تماماً وهي تتابع الطلاب في هذه الكلية، لسنوات طويلة بأن الدراسة في جميع كليات الطب وفي هذه الكلية بالذات تتم بنظام الحضور الكامل، وأن هذه الكلية ليس لديها دراسة بالانتساب. ليس هذا فحسب، فبعد أن تتسلم الملحقية خطاباً من الجامعة يفيد بأن الطالب السعودي أتم درجة البكالوريوس بنظام الحضور الكامل، فإنها تطالب الطالب بخطاب من إدارة الجوازات يفيد بأن الطالب بقي في مصر طوال العام الدراسي وأنه لم يبرحها خلال المواسم الدراسية. أي أن الملحقية تفترض بأن ابنها الطالب يكذب عليها وأن الجامعة العريقة تكذب عليها وأنها تلاحقهما بمجموعة من الإجراءات الوثائقية والبيروقراطية والملحقية تعرف أن خطاباً كهذا في ظل بيروقراطية الإدارة العربية يمكن أن يستغرق شهوراً طويلة، وأن ابنها الطالب السعودي هو الذي سوف يدفع الثمن لأنها تعطل وصوله إلى أرض الوطن وتعطل التحاقه بالوظيفة وتجهض فرحته بالتخرج وبشهادة تعتبر من الشهادات التي تبعث على الفخر والاعتزاز.
ولكن قبل ذلك فإن الملحقية تعرف بأن كلية الطب في جامعة القاهرة من الكليات العريقة وأنها تقوم منذ تأسيسها في عام 1891م على نظام الحضور الكامل وأنه لا وجود لنظام الانتساب في دراساتها منذ أكثر من مائة عام.
إن خريجي كليات الطب من الطلاب الذين بذلوا من الجهد والكفاح الشيء الكثير حتى ينالوا شرف الحصول على درجة البكالوريوس، وهم – لذلك – حريصون كل الحرص على العودة إلى أرض الوطن وهم يحلمون بمستقبل وارف بدءًا بالوظيفة وحتى بناء عش الزوجية والاستقرار، ولكن يتضح من الإجراءات التي ذكرناها أن الطالب الخريج قبل أن يصل إلى مرافئ الاستقرار في وطنه تكون الملحقية قد ألزمت الطالب بسلسلة من التحضيرات التي تحتاج إلى شهور حتى يتم استيفاؤها.
بمعنى أن الطالب المتخرج.. يحتاج إلى عام دراسي يحضر فيه الأوراق البيروقراطية التي تطلبها الملحقية، حتى تتم عملية معادلة الشهادة وهي العملية التي لا يتم التعيين على الوظيفة دونها، ولقد كان في إمكان الملحقية أن تساعد الطالب وتشاركه فرحة التخرج وترسل مراسلاً ينهي كل الأوراق خلال أسبوعين. وبذلك ترحم هذا الطالب المكافح الذي تخرج بعد جهد وتعب.
ولقد سألت أحد المسؤولين في الملحقية: لماذا تحجزون الطلاب في سلسلة من الإجراءات الروتينية المملة؟ فقال: إن الوزارة كلفت بمجموعة وظائف فوق طاقة العدد المحدود من موظفيها، وإن هذا التكليف والتحميل جعل الوزارة تتأخر في إنهاء مستحقات الابتعاث وتنشغل بمتابعة الطلاب وتتأثر سلباً بمعدلات أداء الوزارة، فقلت له: ولماذا لا تجري الوزارة مشروعاً لإعادة هيكلتها إدارياً بحيث تختصر بعض الإجراءات وتقفز على كل هذا الروتين الطويل وتسهل أمور الطلاب بدلاً من الشقاء الذي وضعت نفسها فيه ووضعت أبناءها في أتونه؟ قال: نعم المطلوب أن تعيد الوزارة النظر في كل هذه الإجراءات لأنها إجراءات روتينية ليس لها مبرر موضوعي.
إن مشكلة البيروقراطية الإدارية في ديوان وزارة التعليم العالي تشوه من مستوى أداء الوزارة لأنها تخضع كل الأمور للإجراءات المكتبية الطويلة مع عدم الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في إلغاء بعض الإجراءات، ونذكر – على سبيل المثال- أن الاتصال الهاتفي في الوزارة يحتاج إلى عناية إلهية حتى يتحقق، علماً بأن الوزارة تناشد الطلاب وأولياء أمورهم بالاتصال الهاتفي لاستكمال إجراءاتهم في أسرع وقت دون الحاجة إلى تحمل المشاق والمصاريف للسفر من مختلف مدن المملكة، إلى مقر الوزارة في العاصمة الرياض.
ولكن للأسف فإن الاتصال الهاتفي في الوزارة يحتاج إلى معجزة كما أن التواصل عبر الإنترنت في حاجة إلى سلسلة إجراءات هاتفية مكملة، والأدهى من ذلك أن الوزارة وضعت نظامًا لمعادلة الشهادات مملوء بسلسلة إجراءات، ويقع الطالب المتخرج المتلهف إلى الوظيفة والمستقبل الزاهي رهينة سلسلة إجراءات عفا عليها الزمن.
وسط هذا الكم الهائل من الإجراءات والقفلات التي تحيط بالطلاب فإن وزارة التعليم العالي أحوج ما تكون إلى إعادة هيكلتها حتى تعلق على اسمها مصطلح (التربية) جنباً إلى جنب مصطلح (التعليم) فتصبح وزارة التربية والتعليم العالي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي