رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إعادة توزيع الدخل.. وسيلة لمواجهة التضخم

[email protected]

التضخم شر لابد منه لكل اقتصاد حر، وليس هناك اقتصاد يتبع نظام السوق بمنأى عنه فهو يدخل في طبيعته وتكوينه الانفتاحي وتأثره بالتقلبات والظروف المحيطة به. فآلية الطلب والعرض في السوق تحدد نوع وحجم الإنتاج وتوزيع الدخل. ولأن الاقتصاد المفتوح لا يثبت على حال فهو بين انتعاش وانكماش يتطلب أن تتدخل الحكومة في ضبطه وإعادة التوازن إليه عبر حزمة من السياسات المالية والنقدية لكبح جماحه أو إنعاشه. من بين المشاكل الاقتصادية التي تحتاج إلى تدخل الحكومة لمعالجتها هو التضخم، الذي يُعرف أنه "الارتفاع العام للأسعار"، والمقصود بالارتفاع العام أي أن غالبية السلع والخدمات أو متوسط الأسعار في الاقتصاد تكون مرتفعة عن معدلاتها السابقة. وحينما نقول السلع والخدمات يشمل ذلك السلع الاستهلاكية وتكاليف عناصر الإنتاج. إلا أنه عادة ما يكون هناك سلة من السلع الضرورية لحياة الأفراد اليومية التي لا غنى لأي أحد عنها مثل المواد الغذائية والسكن والطاقة والمواصلات التي يتفق على متابعتها كمؤشر لقياس التضخم.
ينشأ التضخم بسبب " نقود كثيرة تطارد سلعا قليلة "، بمعنى أن متوسط الدخل النقدي أكبر من متوسط الإنتاجية أو يمكن القول إن معدل التغير في الطلب العام أعلى من معدل التغير في العرض العام، وإذا كان الطلب أعلى من العرض ترتفع الأسعار خاصة في المدى القصير، الفترة التي يكون فيها حجم الإنتاج ثابتا أو شبه ثابت لأن الوقت لا يكفي للتوسع في الإنتاج وتوظيف عناصر إنتاج جديدة خاصة الثابتة منها مثل حجم المصنع والآلات وغيرها, وبالتالي فإن الذي يحدد مستوى الأسعار في المدى القصير هو كمية الطلب، فكلما ارتفعت الأسعار والعكس صحيح. وفي اقتصاد نفطي مثل الاقتصاد السعودي يعتمد الدخل الوطني على سعر النفط في الأسواق العالمية، وبالتالي لا يعكس بشكل كبير الإنتاج الوطني والذي يفترض أن يكونا وجهين لعملة واحدة خاصة في حال التوازن في المدى الطويل، فالعائد من الإنتاج أي الدخل يساوي مجموع قيمة ما أنتج أو الإنفاق الكلي. إلا أننا نجد أن الدخل الوطني للاقتصاد السعودي لا يعكس بالضرورة الجهد الذهني والعضلي والاعتماد على الاستيراد وبالتالي التأثر بتكاليف الإنتاج في البلدان المصدرة ومعدل سعر التبادل للعملة وعملية الاحتكار التي تمارس من بعض الموردين. وحالة الاقتصاد لا تستقر على حال فهي بين تمدد وانكماش, وفي حال التمدد يكون فيه الرغبة في الإنفاق الكلي أكبر من الإنتاج فترتفع الأسعار ويكون التضخم خاصة إذا ما بلغ الاقتصاد مستوى التوظيف الكامل للموارد، وفي حال الانكماش يحدث العكس. لذا فإن هناك علاقة عكسية بين التضخم والبطالة فإذا قل معدل البطالة زاد معدل التضخم والعكس صحيح، هذا بطبيعة الحال عند حدود التوظيف الكامل. هيكل الاقتصاد السعودي لم يبلغ بعد الكفاءة الكاملة في توظيف الموارد وتحقيق التوزيع الفاعل للدخل بسبب ضعف التطوير الصناعي وغياب السياسات والاستراتيجيات الوطنية الداعمة للصناعات التحويلية فيما عدا القطاع النفطي والاعتماد على العمالة الأجنبية في صناعات استهلاكية رخيصة، وبالتالي هناك نمو اقتصادي (زيادة بالنوع) ولكن ليس بالضرورة تطوير نوعي لصناعة أصيلة تحقق قيما اقتصادية مضافة تعود بالنفع على جميع المواطنين إنتاجا ودخلا.
عادة ما يواجه التضخم بسياسات حكومية مالية ونقدية جميعها تهدف إلى تقليل السيولة في الاقتصاد لخفض الدخل النقدي ما يؤدي إلى خفض الطلب العام وبالتالي تنخفض الأسعار. وآلية خفض السيولة بالاقتصاد تكون من خلال السياسات المالية بتقليل الإنفاق الحكومي أو برفع معدل الضريبة. إذ إن الضريبة تؤدي إلى تقليل الدخول وبالتالي يقل الطلب فتقل الأسعار. وهنا وقفة تتعلق بأمرين مهمين: أولهما، أن التضخم ذاته يعتبر ضريبة خفية، إذ إنه يؤدي بطريقة غير مباشرة إلى تقليل الدخل, فارتفاع الأسعار يقلل القوة الشرائية وكأنما يتحصل الأفراد على سلع أقل مما كانوا يحصلون عليه قبل ارتفاع الأسعار وهذا بالضبط ما تفعله الضريبة! الأمر الآخر هو تحديد من يتحمل التكلفة الاقتصادية للتضخم إذ إن الأفراد الذين يمتلكون الأصول مثل الأراضي والعقار والسلع التجارية يكونون بحال أفضل من أولئك الذين يملكون أرصدة نقدية في البنوك والذين جلهم من أصحاب الدخول المتوسطة أو المتدنية، فارتفاع الأسعار يزيد ثروة التجار بينما يقلل القوة الشرائية للنقد وبالتالي تقل ثروة المواطن العادي. ومن أجل تقليل الخسارة الاجتماعية التي هي متوسط مجموع ما يتكبده الأفراد في المجتمع من انخفاض في دخولهم من جراء انخفاض القوة الشرائية بفعل ارتفاع الأسعار، تقوم الحكومات بفرض ضرائب تصاعدية كآلية لتوزيع الدخل أو توزيع العبء الاقتصادي الاجتماعي بين أفراد المجتمع، وإذا لم يكن هناك ضرائب مباشرة على المواطنين كما هو الاقتصاد السعودي فإن على الأكثر حظا دفع رسوم حكومية أعلى من أولئك الأقل دخلا. وتبرير ذلك يرجع إلى أن المنفعة التي يتحصل عليها أصحاب الدخول العالية من الريالات الإضافية في دخولهم تكون أقل من تلك التي يتحصل عليها الأفراد الأقل دخلا، وبالتالي يكون من أجل تحقيق المنفعة الاجتماعية استقطاع مبالغ أكبر من أصحاب الدخول العالية في المجتمع ومبالغ أقل من ذوي الدخول المنخفضة. على سبيل المثال المنفعة التي يتحصل عليها الفقير من ريال إضافي (أو خصم ريال) في دخله تكون أكبر كثيرا مقارنة بالمنفعة التي يتحصل عليها الغني, وبالتالي فإن خصم ريال من الغني لن يؤثر كثيرا في ميزان منفعته, بينما إضافة ذلك الريال إلى دخل الفقير سيزيد مستوى منفعته كثيرا وبذلك تكون المنفعة الاجتماعية عند أعلى مستوياتها. وهذه هي الحكمة من الزكاة التي تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم. لذلك يجب إدراك أن درجة التأثر بالتضخم تتفاوت بين الفئات الاقتصادية في المجتمع ويكون لصالح أصحاب رؤوس الأموال والأكثر حظا، حيث إن التضخم يزيد الغني غنى والفقير فقرا. وعندما لا يكون هناك توزيع مقبول وعادل للثروة في المجتمع بسبب فشل آلية السوق في ذلك، يكون هناك اختلال بين الإنتاج والدخل. بحيث تحصل فئة قليلة من المجتمع على حصة كبيرة من الإنتاج الوطني وتبقى نسبة كبيرة من المجتمع دون المتوسط. هذا يؤدي إلى انحسار الطبقة المتوسطة في المجتمع، التي هي العامود الفقري والمحرك لأي اقتصاد, وهذا يقود بالنتيجة إلى انخفاض الإنتاجية وارتفاع الأسعار. هناك أيضا السياسات النقدية التي تسهم في خفض السيولة النقدية برفع معدل الخصم الذي تفرضه مؤسسة النقد (البنك المركزي) على البنوك التجارية بحيث يؤدي إلى خفض كمية النقود المعروضة, وبالتالي ارتفاع معدل سعر الفائدة ويتبع ذلك انخفاض عدد القروض وكمية النقود المعروضة, وهذا يؤدي بدوره إلى خفض الإنتاج إلى مستوى التوظيف الكامل أو دونه. بطبيعة الحال خفض الإنتاج يؤدي إلى رفع معدل البطالة ما يزيد من تفاقم المشكلة.
التحليل السابق مرتبط بجانب الطلب وأهميته في كبح جماح التضخم، لكن هناك سياسات تتعلق بجانب العرض والتي يفترض أن تكون مهمة في حالة الاقتصاد السعودي. فارتفاع معدل الأسعار قد يكون بسبب الاعتماد على الاستيراد بنسبة عالية وقيام بعض الموردين باحتكار السلع أو رفع الأسعار من قبل المصدرين. من هنا فإن مراقبة الأسعار أمر في غاية الأهمية في التخفيف من أزمة الغلاء، ولن نستطيع إلى ذلك سبيلا عبر القنوات الرسمية البيروقراطية التي قد تكون استجابتها بطيئة بسبب الإجراءات الروتينية المطولة والمعقدة، لذا كان من الأجدر إنشاء جمعية للمستهلكين مستقلة إداريا وماليا ينتخب أعضاؤها تكون مهمتها مراقبة الأسعار والدفاع عن حقوق المستهلكين. أمر آخر يتعلق بجانب العرض وهو في الوقت ذاته يسهم كآلية في إعادة توزيع الدخل يتمثل في الدعم الحكومي للسلع الأساسية, وهذا الدعم لا يكون متاحا للجميع وإنما للمحتاجين بحيث توزع بطاقات تمنح حاملها نسبة خصم على بعض المواد الغذائية الأساسية، حتى لا تكون هذه الفئة الأقل دخلا نسيا منسيا, ومن ثم نفاجأ بتزايد عدد السرقات والجرائم وتعاطي المخدرات وعمليات الإرهاب، ومن ثم نتساءل لماذا تغير المجتمع وظهرت تلك السلوكيات الغريبة!
التضخم مشكلة اجتماعية قبل أن تكون مشكلة اقتصادية ويجب إدراكها وفهمها بهذه الشمولية ومن هذا المنطلق, ولا نستطيع التغلب عليه من خلال الاعتماد على المؤشرات العامة والإحصائيات المتوسطة لأن هذا لا يعطي الصورة الحقيقية للوضع الاقتصادي، ولا يمكن أيضا الاعتماد على سياسات مالية ونقدية للتقليل من الأسعار فقط دون النظر إلى جانب الدخل ومعدل البطالة. يجب تناول المشكلة عبر حزمة من السياسات تهدف إلى إعادة توزيع الدخل بطريقة تضمن استمرارية حركة العجلة الاقتصادية وتهيئ لبيئة مستقرة بعيدة عن القلاقل وتنمية مستدامة ليس بمعناها البيئي وحسب ولكن بمفهومها الاقتصادي, لأن بناء الاقتصاد وتهيئته يحتاجان إلى وقت طويل وقبل ذلك إلى تصور ورؤية صحيحة ترتكز على أن يكون اقتصادنا للفقير والمليء!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي