مهرجانات صيف أم موالد؟!
هل سبق لك أن حضرت احتفالا "مولد"، إذا لم يسبق لك ذلك فلست في حاجة إلى تكبد عناء السفر لمشاهدة اذلك فكل ما عليك القيام به هو زيارة مهرجان من مهرجانات الصيف المقامة في مختلف مدننا الحبيبة. والمولد لمن لا يعرفه هو احتفال ضخم يعقده صاحب طريقة صوفية لإحياء ذكرى مولد أحد أهم مشايخ تلك الطريقة. ونظرا لإقبال الناس على يوم الاحتفال ومقره فإنه يستغل في إقامة العديد من الأنشطة مثل بيع الأطعمة، ملاهي الأطفال، استعراضات لفرق سيرك أو ألعاب خفة اليد، وفي المولد الكل يصرخ بك والجميع يموج في بعض حتى تنسى صاحب المزار وصاحب المولد ولا تكاد تعرف لماذا أنت هنا – في هذه الظروف يقول إخواننا المصريون مثلا جميلا جدا عن كل احتفال وتجمع غير منظم وتعمه الفوضى أنه "مولد مالو صاحب".
هذا المثل ينطبق تماما على الكثير من المهرجانات لدينا (في الصيف وفي غير الصيف) فلا تعرف لها صاحبا ولا طريقة، فلا هوية للمهرجان ولا رسالة ثقافية واضحة. لا تعرف من أين تبدأ ولا أين يمكن أن ينتهي بك المطاف. محال تبيع كل شيء تقريبا – من لعب الأطفال إلى التحف الصينية مرورا بالعسل والطب الشعبي وأدوات المطبخ - محال متناثرة في أرجاء المكان ولا رابط بينها ولا ترتيب لها ولا جديد فيها إلا أنها جميعا تبيع سلع صينية مقلدة وغير ذات قيمة اقتصادية حقيقية. مؤسسات لم تسمع عنها أبدا إلا في هذه المهرجانات، بضائع استهلاكية عديمة القيمة لا تكاد تستفيد منها حتى تصل بيتك. أسعار مرتفعة بطريقه لا يمكن تبريرها. ترويج لثقافة الاستهلاك غير المنظم وانعدام للرقابة في ظل غياب واضح لدور الغرف التجارية ووزارة التجارة وهيئات الأسواق جميعا بلا استثناء وكأن من يعمل في هذه المهرجانات في حل من كل قيود وأخلاقيات رجال الأعمال.
في مهرجانات الصيف، لا توجد قضية سعودة، ولا حقوق مستهلك، ولا مشكلات مع الزكاة والدخل، الجميع أجانب ولست متأكدا ولا أعتقد أن هناك من هو واثق من صلاحية إقامتهم فضلا عن عملهم التجاري، لا أهمية للرقابة الصحية ولا سلامة ما يباع في هذه المحلات المهرجانية، المطاعم تبيع كل شيء وكل شيء هناك صالح للأكل، فلا وجود لوزارة الصحة، وبالتأكيد لا توجد بلديات ومفتشوها. الأمن مستأجر وكل شيء هناك يمكن استئجاره. في مهرجانات الصيف تستطيع بيع ما لا يمكن بيعه بطريقة رسمية. وهناك نصيحة تجارية جديدة تقول إذا بارت تجارتك فلا تخاطر ببيع بضاعتك في الحراج بل كل ما عليك القيام به هو الاستفادة من خدمات مهرجان صيفي.
المهرجانات في كل دول العالم فرصة لعرض رسالة عن ثقافة البلد، أفضل منتجاته وصناعاته، تعرض المواهب الثقافية والمعارض الفنية، ومصنعا للمبدعين. لم تكن أبدا ترويجا لأفكار الآخرين، ولا فرصة لتمرير بضائع مقلدة، لم تكن أبدا نشرا لثقافة الاستهلاك وتدميرا لوعي الناس. لم تكن أبدا مرتعا للتلوث الصحي والعقلي والنفسي والعاطفي واستغلالا لغياب الرقابة الفاعلة.
والعلاقة بين مهرجانات الصيف لدينا والموالد علاقة وثيقة فهناك مثل مصري آخر يقول "ما إحنا دافنينه سوا" في إشارة لقصة عن اثنين من مدعي الطرق الصوفية وجدوا حمارا ميتا فدفنوه وادعوا أنه قبر لشيخهم العظيم واستقبلوا الهبات وعندما اختلفوا أقسم أحدهم بصاحب القبر فقال الآخر" ما إحنا دافنينه سوا". هذا المثل ينطبق على مهرجانات الصيف. ففي مهرجانات الصيف تدفن الكثير من الأشياء، فالجميع يبيعك تذكرة دخول إلى المهرجان أو المسرح واللعبة أو العرض الخطير والجميع يطلب منك فقط أن تمسح الجزء المظلل لتفوز بالجائزة الكبرى - سيارة أو عمارة. المدهش أنك لو اشتريت منهم كل التذاكر فلن تربح شيئا، لأن ما لا تعرفه "أنهم دافنينه سوا"، بمعنى أنك لو اشتريت كل البطاقات فليس فيها البطاقة التي تحتوى على الجائزة فهي مقفل عليها في مكتب مدير المهرجان. فكل شيء، في غياب الرقابة يمكن دفنه.
القصة أن موضوع المهرجانات يحتاج إلى تنظيم أكبر ومراقبة أشمل فهي تمثل واجهة حضارية حقيقية وليست سوقا سوداء للبضائع المقلدة والمرفوضة من وزارة التجارة وليست فرصة للاستغلال ورفع الأسعار، الموضوع يحتاج إلى رقابة للإعلانات وخاصة التخفيضات منها، رقابة على بطاقات سحب الجوائز وذلك بدخول جهة مستقلة هي التي تقوم بعملية طبع البطاقات وتوزيعها وليس للجهة المستفيدة أي دور في ذلك. لماذا لا تكون هناك دائرة مستقلة في وزارة التجارة تتولى مسألة المهرجانات بحيث تمنح تصنيفا لمديري المهرجانات بناء عليه تتحدد المعروضات والسقف الأعلى للأسعار وموضوعات المهرجان. لا بد من مشاركة جهات ثقافية في كل مهرجان تشرف على برنامجه الثقافي. وكل صيف ومهرجان وأنتم بصحة وسلامة.