رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الإعلام الإلكتروني السعودي: تحدٍ جديد لرقابة قديمة

[email protected]

سررت جداً وأنا أطالع قرارات اجتماع مجلس وزراء الإعلام العرب الأخير، بالدور المميز والفاعل الذي تقوم به وزارة الثقافة والإعلام في أروقة الإعلام العربي، ولعل من أهم الإنجازات التي أسهمت بها وزارة الثقافة والإعلام هو أنها نجحت في تسليط الضوء بقوة على ظاهرة الإعلام العربي الإلكتروني وأيّدت مشروعاً لتشكيل لجنة عليا للإعلام العربي الإلكتروني، بمعنى أن وزارة الثقافة والإعلام استطاعت أن تسهم بدور فاعل في أن يكون الإعلام الإلكتروني العربي ضمن أجندة وزراء الإعلام العرب.
إن المقصود بالإعلام الإلكتروني هو كل ما نقرأه ونسمعه ونشاهده عبر الإنترنت، وبالذات تلك المنظومات الإعلامية المتمثلة في المنتديات والمدونات التي أصبحت تحتل مساحة واسعة في آفاق المجتمعات العربية وتشكل خطراً حقيقياً على الفكر العربي والهوية العربية.
وإذا أردنا أن نتحدث عن الإعلام الإلكتروني في المملكة فإنه يجدر بنا أن نتعقب دخول خدمة الإنترنت إلى المملكة الذي جاء في نهاية الثمانينيات الميلادية. ولكن أعقب ذلك صدور قرار مجلس الوزراء في شهر شوال لعام 1417 هـ (1996) بالموافقة على إدخال خدمة الإنترنت إلى المملكة ضمن مجموعة من الضوابط التجارية والتشغيلية والأمنية، وكلفت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بمسؤوليات الترخيص لعدد من الجهات التجارية لتقديم الخدمة للمستفيدين والإشراف عليها. وفي تطور لاحق أتمت الحكومة تخصيص قطاع الاتصالات بإنشاء شركة الاتصالات السعودية، وقامت الشركة بتشغيل أول خط اتصال لربط مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بشبكة الإنترنت العالمية في 15 تشرين الأول (أكتوبر) 1998 عن طريق إحدى شركات الاتصالات العالمية.
كان تخصيص قطاع الاتصالات في المملكة بإنشاء شركة الاتصالات السعودية الخطوة الأولى في إنشاء هيئة مستقلة في شركة الاتصالات لتنظيم قطاع الاتصالات وبدأت هذه الهيئة رسمياً بتنظيم خدمة الإنترنت اعتباراً من عام 2002. وفي تطور لاحق صدر قرار مجلس الوزراء بإلغاء حصر ارتباط المملكة بالإنترنت عن طريق وحدة خدمات الإنترنت بالمدينة، وأعطى جهات تجارية متنافسة حق بناء "بوابات" دولية لربط مزودي خدمة الإنترنت في المملكة بشبكة الإنترنت العالمية.
وفي ضوء ذلك نستطيع القول إن ظاهرة الإعلام الإلكتروني بدأت تظهر ضمن المنظومة الإعلامية الرياضية المؤثرة في المملكة العربية السعودية ابتداء من عام 1999م. واستطاعت المواقع الرياضية على الإنترنت والمعروفة بـ "المنتديات" أن تلغي الكثير من مصطلحات الإعلام الرياضي. كما أن المدونات على الصعيد السيـاسي لعبت وتلعب دوراً مفتوحاً أمام الكثير من الأفراد، بل أهم ما يميز المدونات هو أنها تستوعب أفراداً من كل المستويات حتى أن بعض رؤساء مجالس إدارات الشركات والوزراء في المملكة لهم مدونات خاصة بهم يلتقون خلالها الكثير من الفعاليات التي بدأت المدونات تعج بهم.
ولقد بدأ بعض المدونين السعوديين يسجلون حضورهم الإعلامي بشكل لافت حيث إن التدوين يساعد على التعبير عما يجول في خواطرهم دون رقيب أو حسيب، ونستطيع القول إن التدوين هو ساحة جديدة تتيح للكاتب أن يكتب ما يجول في نفسه دون أن يهتم بردود الأفعال.
إن طبيعة التدوين تجعل من السهل جداً أن يعبر الشباب عن كل ما يدور في أذهانهم، ونستطيع القول إن المدونات لغة جديدة من لغات العولمة الشبابية التي انتشرت بين أوساط الشباب العربي عامة والمملكة خاصة حتى وصل عدد المدونات إلى نحو مليون مدونة في العالم العربي من المحيط إلى الخليج.
وإزاء التطورات التي حدثت للإعلام الإلكتروني في مواجهة الإعلام الورقي، فقد صدر تقرير من معهد مشروع الامتياز في الصحافة في الولايات المتحدة الأمريكية، وأشار إلى أن الصحافة الورقية تعاني سكرات الموت وتتجه إلى الزوال بسبب منافسة ومزاحمة الصحافة الإلكترونية التي حققت – في الآونة الأخيرة – ضربات موجعة للصحافة الورقية.
إن صحيفة "وول استريت جورنال" أصبحت تعتمد بشكل أساسي على موقعها الإلكتروني، كما أن صحيفة "نيويورك تايمز" أخذت تسجل أرقاماً مذهلة لعدد زوّارها بشكل فاق الزيادة في عدد قراءة صحيفتها الورقية، كما أن مجموعة نايت ريدر الصحافية التي تنشر أكثر من 30 صحيفة أمريكية تعاني أزمة مالية تهدد وجودها بسبب انصراف حزمة من القراء إلى الصحافة الإلكترونية. ونذكر - على سبيل المثال – أن عدد قرّاء صحيفة ذائعة الصيت في المملكة العربية السعودية لا يتجاوز 200 ألف قارئ، بينما عدد زوّار موقع شبكة الزعيم ـ مثلاً ـ يتجاوز مئات الآلاف يومياً. وفي ضوء هذه الأرقام فإن الإنترنت رشح لكي يكون مورداً مؤثراً من موارد الأندية.
أمام هذا المد الكبير مـن الإعلام الإلكتروني، بل أمام الآفاق السماوية الواسعة للإعلام الإلكتروني، فإن وظيفة الرقابة على الإعلام والمصنفات لم تعد مجدية بأي حال من الأحوال.
ولذلك فإننا نقترح على معالي الأخ الأستاذ إياد بن أمين مدني وزير الثقافة والإعلام، أن يتقدم إلى مجلس الوزراء الموقر بإلغاء المادة (33) من نظام المطبوعات والنشر. وهذه المادة تشترط على كل منتج إعلامي أن يحصـل على ترخيص رسمي من وزارة الثقافة والإعلام قبل نشره.
ولأن هذه المادة لم تعد من المواد العملية، فقد ألغيت عملياً في العمل الصحافي، حيث إن الصحف تصدر دون رقابة مسبقة، وإن كانت الرقابة تالية على الإصدار، كما أن ثورة الإعلام الإلكتروني ألغت الرقابة تماماً وقوضت قدرة أي رقابة على متابعة الكم الهائل من ملايين الكلمات والصور التي تصدر كل لحظة في الشبكة العنكبوتية، بمعنى أن الرقابة لا معنى لها وبالتالي فإن المادة (33) لا معنى لها أيضاً، ولذلك أتمنى أن تلغى رسميا ً حتى يمكننا أن نصرح للعالم ولجمعيات حقوق الإنسان المحليـة والإقليمية والعالمية بأنه لا مكان للرقابة على حرية الرأي في المملكة العربية السعودية، وأن حرية التفكير مكفولة للجميع، وأن مناخ النشر والإعلام خال تماماً من شوائب الرقابة ومنغصاتها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي