منظمة التجارة العالمية بين يديك الحلقة (35)

منظمة التجارة العالمية بين يديك الحلقة (35)

[email protected]

صياغة التاريخ الحديث بهدف ترسيخ مفهوم العولمة في النظام العالمي الجديد، لم يأت بمحض صدفة، بل كان حصيلة مدروسة وحتمية ملموسة لرؤى الزعماء الطموحة وحنكة الساسة الممزوجة بتطلعات شعوبهم والتخطيط السليم لمفكريهم والمبادرات الثاقبة لخبرائهم في التجارة والاقتصاد والمال والأعمال. فبعد الحرب العالمية الأولى التي استمرت أربع سنوات طويلة (1914 - 1918م)، انتصر في نهايتها جيش الحلفاء على المارد الألماني، أصرَّ الحلفاء المنتصرون، بقيادة رئيس أركان التحالف الجنرال الفرنسي فرديناند فوش Ferdinand foch، على توقيع وثيقة انتصارهم في مقطورة فوش الرابضة على نهر السين الذي تحتضنه مدينة باريس المتلألئة بأنوار النصـر، وذلك إمعاناً في إذلال الجنرالات الألمان المهزومين. الجدير بالذكر أن الزعيم النـازي أدولف هتلر Adolph Hitler، لدى احتلاله فرنسا لاحقاً في الحرب العالمية الثانية خلال عام 1940م، أصر على استخدام مقطورة فوش، نفس المقطورة الفرنسية، لإرغام الجنرالات الفرنسيين على توقيع وثيقة سقوط باريس في يد الاحتلال الألماني إمعاناً في إذلال الجيش الفرنسي ورداً قاسياً على الحلفاء.
تم توقيع وثيقة انتصار الحلفاء في تمام الساعة الحادية عشرة من صباح اليوم الحادي عشر من الشهر الحادي عشر لعام 1918م. كانت وثيقة النصر جزءاً لا يتجزأ من تقارب شئون وشجون الساسة في أوروبا وأمريكا، حيث تم إعدادها من قبل الخبراء في كلا القارتين وجرى تنقيحها شخصياً من قبل الرئيس الأمريكي الديمقراطي الحادي والعشرون وأستاذ العلوم السياسية وودرو ويلسون Woodrow Wilson. كانت نشوة الانتصار السبب الأكبر والحافز الأول للرئيس ويلسون في سعيه إلى تعديل المسار الأمريكي الحاقد على أوروبا التي تمادت سابقاً في احتلال معظم أجزاء الولايات الأمريكية، ليتحول هذا الحقد فيما بعد إلى المحبة والوئام بين القارتين. استقل الرئيس ويلسون مع زوجته ومجموعة من وزرائه وحاشيته في صباح يوم الرابع من كانون الأول (ديسمبر) من عام 1918م سفينة جورج واشنطن ليعبر المحيط الأطلسي من نيويورك إلى باريس في رحلة تعد الأولى من نوعها لرئيس أمريكي، حيث لم يقم رئيس أمريكي سابق بزيارة أوروبا، مما حدا بالشعب الأمريكي، لدى تأكده من قيام رئيسه بهذه الرحلة، أن يحتل ميناء (نيويورك) وينادي بتنحي رئيسه الخائن، ودرو ويلسن، واتهامه صراحة بتقويض الدستور الأمريكي المناهض صراحة لقارة أوروبا الاستعمارية.
كانت سفينة جورج واشنطن في مطلع القرن التاسع عشر تستخدم كباخرة ركاب ألمانية، اَلت ملكيتها فيما بعد إلى الجيش الأمريكي حيث أعاد بناءها وتجهيزها لتقل الرئيس الأمريكي عبر المحيط الأطلسي باتجاه مدينة باريس الأوروبية التي دعت ملوك ورؤساء وخبراء العالم أجمع لحضور مؤتمر باريس الدولي. استمر هذا المؤتمر لمدة ستة أشهر طويلة زرع فيه الحلفاء المنتصرون بذور أفكارهم وتداول خبراء العالم من خلال اجتماعاتهم عصارة آرائهم ومقترحاتهم لتثمر لاحقاً عن مكاسب صافية حظيت بها شعوبهم، وأسفرت عن تغيير المعالم الجغرافية والسياسية والاقتصادية لقريتنا الكونية. صدر عن هذا المؤتمر عدة قرارات مصيرية وأبرمت العديد من الاتفاقات الشهيرة الخاصة بتقسيم العالم وترسيم الحدود وتوطين المشردين وتوزيع الثروات الطبيعية. أصبحت اتفاقية سايكس - بيكو Sykes - Picot المبرمة في عام 1916م أساساً لمعاهدة سيفر Sevres النافذة في عام 1920م. كما أصبحت معاهدة لوزان Lausanne المبرمة في عام 1923هـ هدفاً لتحديد خريطة الشرق الأوسط الذي يتميز بالموقع الاستراتيجي المحوري والثروات الطبيعية الغنية والكثافة السكانية الفقيرة والمعقل الرئيسي للدولة العثمانية المتهالكة.
بدأ مؤتمر باريس الذي أطلق عليه اسم مؤتمر السلامPeace Conference في يوم 18 كانون الثاني (يناير) 1919م وشارك فيه آلاف المختصين من مختلف بقاع الأرض في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والقانونية والفنية إلى جانب جنرالات الحرب، غدت باريس على مدى الأشهر الستة القادمة التي استغرقها المؤتمر عاصمة العالم ومركز الثقل الدولي لمتخذي القرارات المصيرية. كانت أخبار المؤتمر محط أنظار شعوب الأرض كافة وأثبت التاريخ لاحقاً أن هذه الأشهر الستة أدت إلى تغيير وجه العالم، حيث أوجد الساسة من خلالها دولاً جديدة وأزالوا من خريطة الأرض دولاً قديمة. بزغ فجر المنظمات الدولية المتعطشة لرأب الصفوف ومجابهة التحـديات وتوفير الملاذ الآمن لصناع القرار، فأنشئت عصبة الأمم وأسست منظمة العمل الدولية وأبرمت اتفاقات تدويل خدمات البرق وفتح المجالات الجوية للطيران المدني، لم يكن متوقعاً أن يجتمع رجال الساسة وخبراء الدبلوماسية وعلماء الاقتصاد وفقهاء القانون مع جنرالات الحرب تحت سقف واحد في مدينة الحب والغرام. لكنهم اجتمعوا واتفقوا، وظهرت في الأفق كلمات جديدة لم يسمع العالم بها من قبل مثل حق تقرير المصير Self-Determination والمدنية Civilization والإمبريالية Imperialism والإرهاب الأحمر Red Terror . وكان المقصود بالإرهاب الأحمر في ذلك الوقت المد الروسي الشيوعي التي اشتعلت فيه الثورة البلشفية Bolsheviks Revolution ، لذلك اعترض زعماء روسيا الشيوعية على مؤتمر السلام وامتنعوا عن حضوره.
لم يكن سهلاً على الطبيب والسياسي المخضرم رئيس الوزراء الفرنسي في ذلك الوقت، جورج كليمانصو Georges Clemenceau، الذي ترعرع في بيئة أرسطوقراطية وأجاد اللغة الإنجليزية بمستوى أفضل من البريطانيين أنفسهم، أن يتفاوض مع نظيره البريطاني، لويد جورج Lloyd George، المتواضع في علمه ومعرفته والمنحدر من عائلة بريطانية متوسطة المستوى، كما لم يكن متوقعاً من الرئيس الأمريكي الديموقـراطي، وودرو ويسلون Woodrow Wilson، الضليع في قضايا بلاده وقليل المعرفة بقضايا أوروبا أن تتفق مرئياته مع رؤى رئيس الوزراء الإيطالي، فيتوريو أورلاندو Vittorio Orlando، الذي اعتنق شعـبه أمل الهجـرة إلى أمريكا بحثاً عن الرزق والرفاه، إلا أن جميع هؤلاء الزعماء تفادوا الخوض في تاريخ ماضيهم الشائك وأجمعوا على التطلع إلى مستقبل أفضل لشعوبهم عن طريق إيجاد الحلول الجذرية لرأب صدع خلافاتهم وتذليل عوائق تجارتهم وتعميق مصالحهم المشتركة. قام هؤلاء الزعماء الأربعة بعقد اجتماعاتهم السرية الخاصة دورياً والتحضير من خلالها لخوض المفاوضات العلنية، مع نظرائهم من رؤساء وفود الدول الأخرى، بهدف إقناعهم برأي موحد وصوت واحد وموقف واضح عنيد.
في ليلة من ليالي باريس الباردة خلال شهر كانون الثاني (يناير) 1919م عقد الزعماء الأربعة اجتماعهم السري المعتاد في منزل رئيس الوزراء الفرنسي كليمانصو، شارك فيه خبراء المال والاقتصاد في هذه الدول الأربعة واستعرضوا خلاله الواقع المرير للاقتصاد الدولي والكساد الخطير الذي يسود أسواق العالم، إضافة إلى تفاقم ديون أوروبا المستحقة للولايات المتحدة الأمريكية التي فاقت عشرة مليارات دولار أمريكي. تداول المجتمعون خطاب الرئيس الفرنسي ريموند بوان كاري Raymond Poin care الذي ألقاه في حفل افتتاح مؤتمر السلام يوم 18 كانون الثاني (يناير) 1919م، حيث هتف برؤساء الوفود قائلاً: أنتم تملكون اليوم بين أيديكم مستقبل العالم. تناول الرؤساء الأربعة وخبراؤهم السياسات الاقتصادية الاشتراكية المشاعة في دول أوروبا الشرقية وروسيا الشيوعية ومصير الشعوب الأوروبية عامـة وألمانيا خاصة، ناقش الخبراء نتائج الثورة الصناعية الأولى التي ساعدت على ظهور النقابـات العمالية وانتشار الاحتكـارات وسيطرة الدولار على العملات الأخـرى. خرج المجتمعـون بتصور واضـح وجلِّي اعترفوا من خلاله بأن الأمن العالمي World Security مرهون بالرفاه الاقتصـادي Economic Prosperity لشعـوب الأرض قاطبة، وأن الخـلافات الاقتصـادية، مالية كانت أو تجارية، لن تربو في أي حال من الأحوال، مهماً تفاقمت بين الدول, إلى مصاف الخلافات السياسية التي غالباً ما تنتهي بالحروب الدامية المدمرة مثل الحرب العالمية الأولى.
في الأشهر التالية لاجتماع ليلة باريس الباردة عقد الرؤساء الأربعة وخبراؤهم الاقتصاديون مئات الاجتماعات لتفسير رؤيتهم المستقبلية للاقتصاد العالمي ووضع خطط تنفيذها الدقيقة. أيقن هؤلاء الزعماء أن تقسيم العالم وإعادة ترسيم الحدود وتوزيع الثروات الطبيعية بين دول التحالف المنتصرة في الحرب العالمية الأولى لن تثمر نتائجها إلا إذا كانت هنالك سياسات اقتصادية خلاَّقة تجمع شمل شتات الشعوب المتناثرة وتؤمن المستوى المعيشي المناسب لكل فرد وتوثق عرى التعاون بين الغني والفقير لدرء مخاطر الحروب الدامية وتوطين العلوم والمعرفة وتسخير التنمية في خدمة الأجيال المقبلة.
بعد إسدال الستار على مؤتمر السلام في باريس وتتويجه بالتوقيع على اتفاقية معاهدة فرساي Treaty of Versailles في تاريخ 28 حزيران (يونيو) 1919م بين الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى والوفد الألماني الشاحب الهزيل المهزوم، تعانق المجتمعون في صالة المرايا Hall of Mirrors في قصر فرساي في باريس ليودعوا الرئيس الأمريكي ودرو ويسلون وحاشيته الذين غادروا عائدين إلى واشنطن على ظهر سفينة جورج واشنطن، وصل الرئيس ويلسون الشواطئ الأمريكية في منتصف ليلة الثامن من تموز (يوليو) 1919م ليستقبله أكثر من 100 ألف من مواطنيه المهنئين على نجاح مهمته، على عكس حفل وداعه الذي كاد يكلفه سقوط حكومته، وبقي على الرئيس الديمقراطي ويلسون أن يقنع القطب الجمهوري في الكونجرس الأمريكي بنجاح مؤتمر السلام وأن معاهدة فرساي المبرمة مع ألمانيا لن تؤثر في سيادة أمريكا وحلفائها في أوروبا، بعد أربعة أسابيع أُعلن خبر منح الرئيس ويلسون جائزة نوبل للسلام، وتمت موافقة مجلس الشيوخ على المعاهدة في 19 آذار (مارس) 1920م.

الأكثر قراءة