رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل ارتفاع الأسعار تضخم؟ رسالة مفتوحة

[email protected]

يعد موضوع ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية في السعودية من أكثر المواضيع جدلا على ساحتنا الاقتصادية اليوم، ليس لدينا فقط بل وفي جميع دول الخليج العربي، والحقيقة أنني لم أكن أرغب في دخول معترك هذا الجدل ولكن لكثرة الأسئلة وتنوع الآراء، أكتب هذا المقال وأعتبر نفسي ذا جرأة كبيرة في طرحه والسبب يعود إلى أن مواضيع ارتفاع الأسعار من مواضيع الرأي العام التي تتسم باللون الأحمر، فالمجتمع يتعامل مع هذه النوعية من المقالات بعاطفة كبيرة ويريد منك أن تقول ما يريد قوله وأن تحدد الأسباب بكل دقه ثم ترمي بالمسؤولية على الوزارة وإذا كتبت خارج هذا الإطار فأنت..؟

بداية فإن هناك خلط بين مشكلة ارتفاع الأسعار والتضخم، والسبب أن كل تضخم هو ارتفاع في الأسعار ولكن ليس كل ارتفاع في الأسعار تضخما. فالتضخم - كما يُعرّفه أهله - هو الارتفاع في الأسعار الناتج عن الانخفاض في القوه الشرائية لعملة الاقتصاد. وتظهر هذه المشكلة عندما يفقد الاقتصاد قدراته الإنتاجية لأسباب مثل الأزمات السياسية الكبيرة والحروب، حيث لم يعد المجتمع قادرا على الإنتاج، هنا تنهار العملة لقلة الطلب عليها وتضعف قوتها الشرائية وتصبح غير مقبولة وترتفع الأسعار بشكل جنوني فما كنت تستطيع شراءه بريال – مثلا - يصبح غدا بألف، ولنا عبرة في مستويات التضخم في الدول الإفريقية التي تعاني أزمات سياسية حتى وصلت معدلات التضخم إلى 100 ألف في المائة.
بالتأكيد ليس هذا حالنا، فنحن والحمد لله نعيش في ظل مستويات عالية من التوازن السياسي، حيث يحرص حكام هذا البلد الأمين على خلق مثل هذا الأمن لما له من آثار بعيدة المدى على رفاهية الإنسان السعودي، فالدولة التي تهتم برعاياها تسعى دائما إلى وجود أمن واستقرار سياسي وخاصة في المراحل الحساسة جدا مثل تداول السلطة – كما حدث في بيعة خادم الحرمين الشريفين، مما يدل على مستويات عالية جدا من الوعي والالتزام السياسي.
ولكن قد يقول قائل إن السعودية تعاني تضخما اعترفت به مؤسسة النقد حيث وصل معدله إلى 3 في المائة، وهذه حقيقة، لكن 3 في المائة تظل معقولة إذا قمت بتحليلها جديا، فإذا كانت المستويات المقبولة عند 2 في المائة فإن زيادة تعادل 1 في المائة لا يمكن القول إنها تشكل أزمة مرهقة للاقتصاد السعودي أو تعكس أزمة حقيقية داخلية بل ظروف دولية، أهمها ارتفاع أسعار النفط عالميا وانخفاض سعر صرف الدولار. فنظرا لأن الريال السعودي مرتبط بالدولار الأمريكي الذي يعاني انخفاضا – مسيسا – في قيمته أمام العملات الأجنبية التي تشكل قوى اقتصادية منافسة للاقتصاد الأمريكي فإن الريال السعودي يعاني المشكلة نفسها والتي تنعكس على ارتفاع أسعار الواردات. ولأن هذا النوع من التضخم مستورد لهذا طالب عدد من أهل الاقتصاد ورجال الأعمال بفك الارتباط بين الريال والدولار أو البحث عن عملة أو سلة عملات أخرى كبديل. لكن – في نظري –مخاطر الارتباط بالدولار والتضخم المستورد لم تصل بعد إلى مستوى قبول مخاطر فك الارتباط أو مفاجآت التحول إلى عملة أخرى، لذلك أنا مع عدم فك الارتباط في هذه المرحلة على الأقل – ولا يزال المقال في هذه القضية يقبل الجدل ولكل فريق أدلة معتبرة والكلمة للمستقبل.
وإذا أخذ الحوار مجاله فإنك ستسألني عن الـ 2 في المائة المتبقية، فهذه لها أسباب متعددة أولها الانخفاض الطبيعي في قيمة العملات في العالم بشكل عام نتيجة مشكلات اقتصادية طبيعية تنتج معظمها من تقادم عناصر الإنتاج، نمو الطلب العالمي نتيجة ارتفاع أعداد السكان، ارتفاع الطلب الموسمي، زيادة الإنفاق الحكومي، زيادة إنفاق الأسر على المنتجات الكمالية وغير الأساسية، انخفاض الادخار نتيجة مشكلات في البنية الاستثمارية، مع هذه الأمور مجتمعة فإن التضخم تحت مستويات 2 في المائة يعد جزءا من الاقتصاد وليس من أزماته.
إلى هذه النقطة من المقال أعتقد أنك عزيزي القارئ غير مقتنع أن الارتفاع في الأسعار هو مجرد 3 في المائة فقط فأسعار الأرز ترتفع بشكل جنوني وأسعار القمح والشعير وحليب الأطفال وغيرها من المنتجات الاستهلاكية، هنا أعود إلى القضية الأساسية لهذا المقال فليس كل ارتفاع في الأسعار يعد تضخما، فالارتفاعات في الأسعار الناتجة من أسباب بخلاف الانخفاض في القوة الشرائية للعملة لا تعد تضخما يستدعي إجراءات اقتصادية معقدة لكبح جماحه، القضية الأكثر تقيدا في هذا المرحلة هو اكتشاف أسباب الارتفاع وبسرعة صرخات المجتمع نفسه، كما أن على أصحاب الرأي في الاقتصاد توخي الحذر عند التعليق على مثل هذه الارتفاعات فالمعلومات تكون قليلة والحكم سيكون ضبابيا أكثر منه رأيا علميا.
ففي ارتفاع الأسعار غير المفسر بانخفاض القوه الشرائية للعملة تظهر أمور مثل زيادة الطلب على العرض أو انخفاض المعروض من السلع بسبب أزمات مناخية كالتي حصلت في دول شرق آسيا وتسببت في ارتفاع أسعار الأرز، كذلك ارتفاع أعداد المستهلكين بسبب زيادة أعداد السياح والزائرين. ومن الأسباب كذلك انخفاض مستويات الرقابة على الأسعار، زيادة تكاليف النقل بسبب زيادة أسعار التأمين أو زيادة أسعار المواد النفطية، القضية هي تنوع الأسباب وخروجها عن سيطرة وزارة بعينها أو مسؤولية وزير واحد.
قد يقول القارئ إننا نعاني الآن وفعليا من ضغط كبير على قدرات الفرد السعودي الشرائية، وفسرها كيف شئت، ما يهمني الحلول أكثر من التفسير. وهذا من حق المجتمع على أصحاب القرار لكن المشكلة أن هذه الأسباب قلما تجتمع ولا يوجد لها حل سحري أو عاجل. لا أشجع تدخلا كبيرا من الدولة بإجراءات مباشرة تمثل تغييرا جذريا للسياسة الاقتصادية، نعم للدعم المؤقت بالنسبة للسلع التي يعتمد عليها المواطن البسيط، لكن مثل هذا الإجراء سيتم امتصاص أثره مع غياب الرقابة على أسعار التجزئة، فوزارة التجارة تسيطر على أسعار الجملة – المستورد الأساسي - لكنها تضعف حتى تتلاشى عند أسعار التجزئة. لذلك نحتاج مع الدعم إلى لجنة كبيرة مؤلفة من وزارة التجارة ووزارة الشؤون البلدية، يمكن دفع مكافآت مجزية لتشجيع ضبط الأسعار واستصدار قوانين صارمة للتلاعب بها.
نعاني ضعف استغلال أو سوء إدارة المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية الأمر الذي قد يمكننا من خفض ضغط الأسعار، نحتاج إلى تطوير قدراتنا في الخزن الاستراتيجي من السلع الأساسية. المؤسسة العامة للصوامع قد تلعب دورا محوريا في هذا الشأن إذا تم تطوير قدراتها لتشمل أكثر من مجرد قمح وحبوب لتلعب دور المخزن أو المستودع العام.
نعاني سوء وضعفا في أدواتنا الاستثمارية وضمانات الادخار وخاصة بعد عاصفة انهيار السوق المالية وتراخي الدولة في وقف نزيف خسائرها. يحتاج الشعب السعودي إلى التخلي عن بعض المتع الآنية لصالح الاستثمار والادخار، لذلك أتوقع أننا في حاجة إلى تدخل من مؤسسة النقد لدعم العملية الادخارية بالتأثير في نسب الفائدة، إيقاف عملية التشجيع على الاقتراض، الأمر الذي سيشجع الأسر السعودية على توفير مبالغ أكثر لمواجهة ظروف مثل هذه، باختصار، يجب ألا تمر هذه الأزمة مرور الكرام دون حلول تمثل استراتيجية اقتصادية واضحة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي