منظمة التجارة العالمية بين يديك الحلقة (33)
على الرغم من تقاسمه فضل تطوير مفهوم الميزة النسبية مع (ديفيد ريكاردو)، ظل (روبرت تورنز) عضواً منسيّاً نوعاً ما في المدرسة الكلاسيكية لعلماء الاقتصاد، وإلى جانب كونه نصيراً مقعناً وقوي الحجة لقضية التجارة الحرة، فقد أقام (تورنز) الحجة الأقوى من أجل قضية التعريفات الجمركية عموماً، كما وصف الظروف التي يمكن في ظلها أن تعود هذه التعريفات بالفائدة على بلد معين من خلال جعل النسبة التي يتبادل عندها منتجاته مع باقي دول العالم، أي معدلات التجارة Terms of Trade، أو القوة الشرائية لصادرات بلد ما، أكثر فائدة. ولقد أطلق نقده القوي للتجارة الحرة أحادية الجانب، ومناصرته لمبدأ المعاملة بالمثل Reciprocity في القرن التاسع عشر جدلاً حاداً بين علماء الاقتصاد. واعتقد (تورنز) أن المعاملة بالمثل ينبغي أن تكون القاعدة العالمية، وأن المبدأ الصحيح للسياسة التجارية هو معارضة التعريفات الخارجية من خلال فرض رسوم مضادة، غير أن العديد من علماء الاقتصاد صبوا جام غضبهم على ما أسموه وجهات نظر (تورنز) الشخصية، ورفضوا كل ما ذهب إليه من تحليلات جملة وتفصيلاً، باعتباره يفتقر إلى أبسط قواعد المنطق. وكان ناسو سينيور Nassau Senior أبرز منتقديه، إذ اتهم (تورنز) بمحاولة بعث المذاهب الخاطئة (للميركنتلية) وأن (ابراز تورنز) للآثار العكسية الناجمة عن تخفيض التعريفات الجمركية على معدلات التجارة أدى إلى تجاهله للتكاليف التي تنطوي عليها القيود التجارية.
من هنا استخلصت الدول أن التجارة الحرة أحادية الجانب تكون غير مرغوب فيها في ظل ظروف معينة، وبالتالي فلكي نتجنب وضعاً يكون فيه بلد معين يسعى لتحقيق كسب على حساب دول أخرى من خلال فرض أقصى قدر ممكن من التعريفات، والتسبب في تلاشي المكاسب من التجارة على صعيد العالم أجمع، لعل من الأجدى أن يتاح للدول المعنية آلية التزام - أو اتفاقية - يوافق الجميع بموجبها على الامتناع عن استخدام التعريفات لهذا الغرض. وفي هذا السياق فإن التجارة الحرة التعاقدية متعددة الأطراف تعمل على تجنب بعض المشاكل المرتبطة بالدول الساعية للتلاعب بمعدلات تجارتها Terms of Trade. وكما جاء على لسان جون سيتورات ميل John Stuart Mill في عام 1844م حيث قال: "لو تفهمنا الأخلاقيات الدولية على حقيقتها وتمثلناها وتصرفنا على أساسها لما وجدت هذه الضرائب التي تتعارض والصالح العالمي".
وبعد كل هذا الجدل أصبحت تكهنات (تورنز) القائلة إن التعرفات قد تكون مفيدة في تحسين معدلات التجارة تدريجـياً معتقداً راسخاً لدى الفيلسوف (جون ستيوارت ميل) الذي أثبت صحة وسلامة هذه التكهنات. والواقع أن جدلية معدلات التجارة يبدو أنها الأقوى والأقل عرضة للتحفظات أو الاستثناءات من بين كافة الجدليات الاقتصادية ضد التجارة الحرة، ولا تزال تعد القيد الأوسع إقراراً وقبولاً واعترافاً من قبل النظريات الاقتصادية.
في عام 1848م وضع عالـم الاقتصاد الإنجليـزي (جون ستيوارت مل) كتابه المعروف "مبادئ الاقتصاد السياسي" الذي ظل حديث البحـث الاقتصادي الرئيسي للطلبة ولأجيال عديدة، ومع ذلك فإن إحدى فقراته أشعلت أوار جدل لم ينطفئ أبداً، وجعلته موضعاً للسخرية والتنّدر من جانب معاصريه، ففي هذه الفقرة أعطى موافقته المشروطة على الحماية المؤقتة للصناعات الناشئة التي عرَّفها على أنها تلك الصناعات التي لا تقوى في بداية الأمر على البقاء في وجه منافسة الواردات ولكنها قد تنمو وتتنافس بنجاح في الأسواق العالمية بمرور الزمن واكتساب التجارب والخبرات. إذن فالمناداة بحماية الصناعة الناشئة استندت إلى أن الحماية المؤقتة قد تمكن صناعة محلية ما من التوصل إلى درجة من الكفاءة تستطيع هذه الصناعة عندها التصدير دون الحصول على مساعدة لمواجهة الأسعار العالمية.
وقد تسبب ميلا في الكثير من الرعب الذي دب في أوصال علماء الاقتصاد بموافقته على هذا الرأي المنادي بالحماية، مع أنه سحب في نهاية الأمر وتراجع بهدوء عن هذه الموافقة على التعرفات كوسيلة لدعم مثل هذه الصناعات. وقد استطاعت جدلية الصناعات الناشئة أن تصمد في وجه العديد من الانتقادات. غير أن هذه الدعوة من أجل الحماية ليست بنفس القابلية للدعم والتأييد التي كانت عليها قبل عدة عقود خلت. ومع ذلك فإنه مازال من الصعوبة بمكان استبعاد هذه الجدلية لصالح الصناعات الناشئة جملة واحدة، وما زالت تحتل مكانة غير مستقرة في نظرية السياسة التجارية.
في العقد الثاني من القرن العشرين سعـى فرانك جراهام Frank D. Graham أستاذ علم الاقتصاد في جامعة (برنستون) في وصف الظروف التي من الممكن أن تكون الحماية الدائمة في ظلها مفيدة لبلد ما، فإذا كانت الصناعة تخضع لقانون تزايد الغلة، أو قانون الغلة المتزايدة، نتيجة لتغير عوامل الإنتاج، بينما كانت الزراعة تخضع لقانون تناقص الغلة، أو الغلة المتناقصة، فعندها ربما كان البلد المتخصص في الزراعة يقوم باستيراد السلع المصنعة يحرم نفسه من الإنتاج في قطاع عالي الإنتاجية، القطاع الصناعي في هذه الحالة. وقد حلل (غراهام) الأضرار الناتجة عن هكذا وضع وحاجج بأن فرض تعرفة دائمة على السلع المصنعة قد يثبت كونه أحق وأجدر مكانة من التجارة الحرة.
يعود تاريخ الحجة التي مفادها أن بلدان الأجور المرتفعة ينبغي أن تخشى واردات المنافسين المصَدَّرة من دول الأجور المنخفضة إلى حقبة مذهب التجاريين على الأقل. فطوال القرنين السابع عشر والثامن عشر كان يفترض أن سعر تصدير السلع الصناعية المحلية تحدده، وإلى حد بعيد، تكاليف أجور الإنتاج، مما أدى إلى العديد من الشكاوى داخل إنجلترا حول الآثار العكسية للأجور المحلية المرتفعة على الصادرات، فمعدلات الأجور المرتفعة جعلت التصدير أمراً صعباً لأن البلدان الأخرى حيث الأجور أقل يمكن أن تتحمل بيع صادراتها الخاصة بها بأسعار تقل عن الأسعار التي تبيع بها الدول الأخرى في معرض تجارتها، واعتبر أنصار المذهب التجاري التفاوت في الأجور بين الدول عاملاً رئيسياً في المنافسة الدولية، واعتقدوا أن الدول الفقيرة حيث الأجور منخفضة قد تبيع سلعها بأقل من الأسعار في الدول الغنية ذات الأجور المرتفعة، وبالتالي تُغتصب تجارتها. وقد برزت جدلية أكثر أهمية من حيث مدلولاتها بالنسبة للتجارة الحرة، تدور حول ما إذا كان التفاوت في الأجور داخل بلد ما يصلح أساس للمحاججة لصالح الحماية. وفي عام 1929م أعلنت رومانيا بأن لدى الدول النامية ما يبرر استخـدام الحماية لتحـويل العمالة من الزراعـة ذات الإنتاجية والأجور المنخفضة، إلى الصناعة ذات الإنتاجية والأجور المرتفعة.
ولقد أوجدت العلاقة الخلافية الأزلية بين التجارة والأجور قضايا مستمرة يتعين على النظرية الاقتصادية معالجتها. فمن حيث تفاوت الأجور بين الدول نجد أن دول الأجور المرتفعة غالباً ما تخشى المنافسة من دول الأجور المنخفضة، على الرغم من التحليل الكلاسيكي يوحي بأن فوارق الأجور بقية سببها التفاوتات في إنتاجية العمالة عبر مختلف الدول ولا تجعل التجارة الحرة أقل تقبلاً، أما تفاوت الأجور بين القطاعات داخل البلد الواحد، وبقدر ما يعكس اختلافاً حقيقياً فما هو إلا مثال واحد فقط على أي عدد من الإخفاقات المحتملة في السوق الذي يعد التعامل معه من خلال السياسات المحلية العلاج الأنجع بدلاً من حماية التجارة، وتبقى التجارة الحرة أمرا مرغوبا فيه لأن السياسات الحكومية الأخرى تهيمن على الحماية كوسيلة لتصحيح إخفاقات السوق المحلية.